ابن عجيبة
604
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وانتقمنا منهم بأبلغ ما يكون ، فو اللّه لنعم المجيبون نحن ، فحذف القسم ؛ لدلالة اللام عليه . وحذف المخصوص ، والجمع ؛ دليل العظمة والكبرياء . وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ ومن آمن به وأولاده المؤمنين مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ، وهو غمّ الغرق ، أو : إذاية قومه ، وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ ، وقد فنى غيرهم . قال قتادة : الناس كلهم من ذرية نوح ، وكان لنوح عليه السّلام ثلاثة أولاد : سام - وهو أبو العرب وفارس والروم ، وحام - وهو أبو السودان ، من المشرق إلى المغرب - ويافث - وهو أبو الترك ويأجوج وماجوج « 1 » . وقد نظمه بعضهم ، فقال : العرب والروم وفارس اعلمن * أولاد سام فيهم الخير كمن من نسل حام نشا السودان * شرقا وغربا ، ذا له برهان يأجوج مأجوج مع الصقالبة * ليافث ، لا خير فيهم قاطبه . وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ أي : وأبقينا عليه الثناء الحسن في الأمم الآخرين ، الذين يأتون بعده من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة ، سَلامٌ عَلى نُوحٍ : مبتدأ وخبر ، استئناف ، فِي الْعالَمِينَ ، يعنى : أنهم يسلّمون عليه تسليما ، ويدعون له ، أي : ثبتت هذه التحية فيهم ، ولا يخلو أحد منهم منها ، كأنّ اللّه أثبت التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين ، يسلّمون عليه عن آخرهم . إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ، فنكرمهم ونحييهم ، وهو تعليل لما فعل بنوح من التكرمة السنية ، بأنه مجازاة له على إحسانه ، إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ علّل كونه محسنا بأنه كان عبدا مؤمنا ؛ ليريك جلالة محلّ الإيمان . ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ أي : الكافرين . ذكر في كتاب حياة الحيوان ، عن القشيري : أن العقرب والحية أتيا نوحا عليه السّلام فقالتا : احملنا معك ، ونحن نعاهدك ألا نضر أحدا ذكرك ، فحملهما . فمن قرأ ، حين يخاف مضرتهما ، حين يمسى وحين يصبح : سلام على نوح في العالمين ، ومحمد في المرسلين ، إنا كذلك نجزى المحسنين ، إنه من عبادنا المؤمنين ، ما ضرتاه . ه . وقال نبينا - عليه الصلاة والسلام : « من قال حين يمسى وحين يصبح : أعوذ بكلمات اللّه التامات من شرّ ما خلق ، لم يضره شئ » « 2 » . الإشارة : إذا تحقق الإيمان والإحسان في عبد أعطى ثلاث خصال : نفوذ الدعوة ، والثناء الحسن بعده ، والبركة في الذرية ، كل ذلك مقتبس من قضية نوح عليه السّلام .
--> ( 1 ) قاله سعيد بن المسيب ، كما في تفسير ابن كثير ( 4 / 13 ) . ( 2 ) أخرجه ، بنحوه ، مسلم في : ( الذكر والدعاء ، باب في التعوذ من سوء القضاء ، 4 / 2080 ، ح 2708 ، 2709 ) من حديث سعد بن أبي وقاص ، وأبي هريرة - رضى اللّه عنهما .