ابن عجيبة

596

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : إِنَّهُمْ أي : المشركين كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ، هو أعم من إذا قيل لهم : قولوها ، أو : ذكرت بمحضرهم ، يَسْتَكْبِرُونَ أي : يتعاظمون عن قولها ، أي : كانوا في الدنيا إذا سمعوا كلمة التوحيد استكبروا عنها ، وأبوا إلا الشرك ، وَيَقُولُونَ أَ إِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ ، يعنون نبينا محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ ؛ لكونه مصدّقا لما بين يديه من الرسل . وهو ردّ عليهم بأن ما جاء به الحق من التوحيد قد قام عليه البرهان ، وتطابق عليه المرسلون . فقوله تعالى : بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ مقابل لقولهم : « شاعر » ؛ لأن الشاعر في الغالب كذوب ، وتصديق المرسلين في مقابلة مجنون ؛ لأنه لا يكون إلا من العاقل . قال تعالى لهم : إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ بالإشراك وتكذيب الرسول وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ؛ إلا مثل ما عملتم بلا زيادة ولا نقصان ، فعذبتم ، على الكفر والتكذيب ، وخلدتم ، على نيتكم الدوام عليه . الإشارة : ينبغي للمؤمن إذا سمع كلمة التوحيد ، وهي « لا إله إلا اللّه » أن يخشع قلبه ، وتهتز جوارحه ، فرحا بها ، ويخضع لمن جاء بها ، ودلّ عليها ، حتى يدخله في بحار معانيها ، وهو التوحيد الخاص ، أعنى : توحيد أهل العيان ، وهم خلفاء الرسول صلى اللّه عليه وسلم في التربية النبوية . قال القشيري : . . كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ . . إلخ . احتجابهم بقلوبهم أوقعهم في وهدة عذابهم ، وذلك أنهم استكبروا عن الإقرار بربوبيته ، ولو عرفوا لافتخروا بعبوديته ؛ قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ . . « 1 » وقال : لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ . . « 2 » ، فمن عرف اللّه فلا لذة له إلا في طاعته وعبوديته ، قال قائلهم : ويظهر في الورى عزّ الموالي * فيلزمنى له ذلّ العبيد ولمّا لم يحتشموا من وصفه - سبحانه - بما لا يليق بجلاله ، لم يبالوا بها أطلقوا من المثالب في جانب أنبيائه . ه . ثم استثنى المخلصين ، فقال : [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 40 إلى 50 ] إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( 40 ) أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ ( 41 ) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ ( 42 ) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 43 ) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ( 44 ) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ( 45 ) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ( 46 ) لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ ( 47 ) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ ( 48 ) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ( 49 ) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ( 50 )

--> ( 1 ) من الآية 206 من سورة الأعراف . ( 2 ) من الآية 173 من سورة النساء .