ابن عجيبة
589
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
سورة الصّافّات مكية . وهي مائة وإحدى ، أو اثنتان ، وثمانون آية . ومناسبتها لما قبلها : أنها رد على المشركين في عبادة الأصنام ، وانكارهم البعث ، المختتم بهما السورة قبلها ، فقال في صدر هذه : إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ ، ثم قال : وَقالُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ أَ إِذا مِتْنا . . . « 1 » إلخ . قال تعالى : [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 1 إلى 10 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالصَّافَّاتِ صَفًّا ( 1 ) فَالزَّاجِراتِ زَجْراً ( 2 ) فَالتَّالِياتِ ذِكْراً ( 3 ) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ ( 4 ) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ ( 5 ) إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ ( 6 ) وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ ( 7 ) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ ( 8 ) دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ ( 9 ) إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ ( 10 ) يقول الحق جل جلاله : وَالصَّافَّاتِ صَفًّا ، فَالزَّاجِراتِ زَجْراً ، فَالتَّالِياتِ ذِكْراً ، أقسم بطوائف الملائكة ، الصافين أقدامهم في مراتب العبادة ، كل على ما أمر به ، فالزجرات السحاب سوقا إلى ما أراد اللّه ، أو : عن المعاصي بإلهام الخير . أو : الشياطين عن التعرض لهم . ( فالتاليات ذكرا ) لكلام اللّه تعالى من الكتب المنزلة وغيرها ، قاله ابن عباس وابن مسعود وغيرهما . وفيه رد على ابن الصلاح ، حيث قال في فتاويه : إن الملائكة لا تقرأ القرآن ، وإنما قراءته كرامة أكرم اللّه بها البشر . قال : فقد ورد أن الملائكة لم تعط ذلك ، فهي حريصة لذلك على استماعه من الإنس ، كما نقله عنه في الإتقان ، فانظره . أو : بنفوس العلماء والعمال ، الصافات أقدامها في التهجد وسائر الصلوات ، فالزاجرات بالمواعظ والنصائح ، فالتاليات آيات اللّه ، والدراسات شرائعه . أو : بنفوس الغزاة في سبيل اللّه ، التي تصف الصفوف ، وتزجر الخيل للجهاد ، وتتلو الذكر مع ذلك ، لا يشغلهم عنه مبارزة العدو . و ( صفا ) : مصدر مؤكد ، وكذلك ( زجرا ) ، والفاء تدلّ على الترتيب ، فتفيد فضل المتقدم على المتأخر ، فتفيد الفضل للصف ، ثم للزجر ، ثم للتلاوة ، أو بالعكس .
--> ( 1 ) الآية 15 من سورة الصافات .