ابن عجيبة
562
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
فقالا : نشفى المريض ، ونبرىء الأكمه والأبرص ، وكان له ابن مريض منذ سنين ، فمسحاه ، فقام ، فآمن حبيب ، وفشا الخبر ، فشفى على أيديهما خلق كثير ، فدعاهما الملك ، وقال : ألنا إله سوى آلهتنا ؟ فقالا : نعم ، من أوجدك وآلهتك ، فقال : قوما حتى أنظر في أمركما ، فحبسهما . ثم بعث عيسى عليه السّلام شمعون ، فدخل متنكرا ، وعاشر حاشية الملك ، حتى استأنسوا به ، ورفعوا خبره إلى الملك ، فاستأنس به . فقال له ذات يوم : بلغني أنك حبست رجلين ، فهل سمعت قولهما ؟ قال : لا ، فدعاهما . فقال شمعون : من أرسلكما ؟ فقالا : اللّه الذي خلق كل شئ ، ورزق كل حىّ ، وليس له شريك . فقال : صفاه وأوجزا ، فقالا : يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، قال : وما آيتكما ؟ قالا : ما يتمنّى الملك ، فدعا بغلام أكمه ، فدعوا اللّه ، فأبصر الغلام ، فقال شمعون للملك : أرأيت لو سألت إلهك حتى يصنع مثل هذا ، فيكون لك وله الشرف ؟ فقال : ليس لي عنك سرّ ، إن إلهنا لا يبصر ولا يسمع ، ولا يضر ، ولا ينفع . فقال : إن قدر إلهاكما على إحياء ميّت آمنا ، فدعوا بغلام مات منذ سبعة أيام ، فقام ، فقال : إني دخلت في سبعة أودية من النار لما مت عليه من الشرك ، وأنا أحذّركم ما أنتم عليه ! فآمنوا . قال : وفتحت أبواب السماء ، فرأيت شابا حسن الوجه ، يشفع لهؤلاء الثلاثة ، قال الملك : من هم ؟ قال : شمعون وهذان ، فتعجّب الملك . فلمّا رأى شمعون أن قوله أثّر فيه ، نصحه وآمن ، وآمن قوم ، ومن لم يؤمن صاح عليهم جبريل ، فهلكوا « 1 » . كما سيذكره بقوله : إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ . وهذا معنى قوله هنا : فَكَذَّبُوهُما أي : فكذّب أصحاب القرية المرسلين ، فَعَزَّزْنا : قويناهما . وقرأ شعبة بالتخفيف ، من : عزّه : غلبه ، أي : فغلبنا وقهرنا بِثالِثٍ ، وهو شمعون ، وترك ذكر المفعول به ؛ لأنّ المراد ذكر المعزّز به ، وهو شمعون ، وما لطف به من التدبير حتى عزّ الحق ، وذلّ الباطل . وإذا كان الكلام منصبا إلى غرض من الأغراض جعل سياقه له وتوجّهه إليه كأنما سواه مرفوض . فَقالُوا أي : الثلاثة لأهل القرية : إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ من عند عيسى ، الذي هو من عند اللّه . وقيل : كانوا أنبياء من عند اللّه - عز وجل - أرسلهم إلى قرية ، ويرجحه قول الكفرة : ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا ، إذ هذه محاورة إنما تقال لمن ادعى الرسالة ، أي : ما أنتم إلا بشر ، ولا مزية لكم علينا ؛ وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ أي : وحيا ، إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ فيما تدعون من الرسالة . قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ، أكّد الثاني باللام دون الأول ؛ لأن الأول مجرد إخبار ،
--> ( 1 ) انظر تفسير البغوي ( 7 / 11 - 12 ) .