ابن عجيبة

552

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : « جهد » : نصب على المصدر ، أو على الحال . و « استكبار » و « مكر » : مفعول من أجله أو حال . يقول الحق جل جلاله : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ أي : إقساما وثيقا ، أو : جاهدين في أيمانهم : لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ ؛ رسول لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ المهتدية ، بدليل قوله : ( أهدى ) وقوله في سورة الأنعام : لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ « 1 » وذلك أن قريشا قالوا قبل مبعث النبي صلى اللّه عليه وسلم لمّا بلغهم أن أهل الكتاب كذّبوا رسلهم : لعن اللّه اليهود والنصارى ، أتتهم الرسل فكذبوهم ، فو اللّه لئن أتانا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم « 2 » ، أي : من الأمة التي يقال فيها : هي أهدى الأمم ، تفضيلا لها على غيرها في الهدى والاستقامة . كما يقال للداهية العظيمة : هي أهدى الدواهي . فلما بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً أي : ما زادهم مجىء الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلا تباعدا عن الحق ، وهو إسناد مجازىّ ؛ إذ لا فاعل غيره . اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ أي : ما زادهم إلا تهورا للاستكبار ومكر السيّء . أو : مستكبرين وماكرين برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين ، المكر القبيح ، وهو إجماعهم على قتله . عليه الصلاة والسلام ، وإذاية من تبعه . وأصل قوله : ( ومكر السيئ ) : وأن مكروا المكر السيّء ، فحذف الموصوف استغناء بوصفه ، ثم أبدل « أن » مع الفعل بالمصدر ، ثم أضيف إلى صفته اتساعا ، كصلاة الأولى ، ومسجد الجامع . وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ أي : لا يحيط وينزل المكر السيّء إلا بمن مكره ، وقد حاق بهم يوم بدر . وفي المثل : من حفر حفرة وقع فيها . فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ : ما ينتظرون إلا أن ينزل بهم ما نزل بالمكذبين الأولين ، من العذاب المستأصل ، كما هي سنّة اللّه فيمن كذّب الرسل . فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ، بيّن أن سنّته - التي هي الانتقام من مكذّبى الرسل - سنّة ماضية ، لا يبدلها في ذاتها ، ولا يحوّلها عن وقتها ، وأنّ ذلك مفعول لا محالة . أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ممن كذّبوا رسلهم ، كيف أهلكهم اللّه ودمرهم ، كعاد ، وثمود ، وقرى قوم لوط . استشهد عليهم بما كانوا يشاهدونه في مسايرهم إلى الشام واليمن والعراق ، من آثار الماضين ، وعلامات هلاكهم ودمارهم . وَ قد كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً واقتدارا ، فلم يتمكنوا من الفرار ، وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ ؛ ليسبقه ويفوته مِنْ شَيْءٍ أىّ شئ كان فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً بأحوالهم قَدِيراً على أخذهم . وباللّه التوفيق .

--> ( 1 ) من الآية 157 من سورة الأنعام . ( 2 ) قاله الضحاك ، فيما ذكره ابن كثير في تفسيره ( 3 / 562 ) .