ابن عجيبة

55

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله‌فى شأن من لم يشأ هدايته إلى صراط مستقيم : وَيَقُولُونَ أي : المنافقون آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ ؛ بألسنتهم ، وَأَطَعْنا اللّه والرسول في الأمر والنهى ، ثُمَّ يَتَوَلَّى عن قبول حكمه فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي : من بعد ما صدر عنهم من ادعاء الإيمان باللّه وبالرسول والطاعة لهما . قال الحسن : نزلت في المنافقين ، الذين كانوا يظهرون الإيمان ويسرون الكفر . وقيل : نزلت في « بشر » المنافق ، خاصم يهوديا ، فدعاه إلى كعب بن الأشرف ، ودعاه اليهودي إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقال بشر : لا ، إن محمدا يحيف علينا « 1 » - قبح اللّه سعيه . وقيل : في المغيرة بن وائل ، خاصم عليّا رضي اللّه عنه في أرض وماء ، فأبى أن يتحاكم إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وأيا ما كان فصيغة الجمع تدل على أن للقائل طائفة يساعدونه ويشايعونه في تلك المقالة . ثم حكم عليهم بالكفر ، فقال : وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ أي : المخلصين ، والإشارة إلى القائلين : آمنا باللّه وبالرسول ، لا إلى الفريق المتولى منهم فقط ، لئلا يلزم نفى الإيمان عنهم فقط ، دون من قبلهم ، بخلاف العكس ، فإن نفى الإيمان عن القائلين يقتضى نفيه عنهم ، على أبلغ وجه وآكده ، وما فيه من معنى البعد ؛ للإشعار ببعد منزلتهم في الكفر والفساد . وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ أي : إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأن حكمه حكم اللّه ، لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أي : ليحكم الرسول بينهم ؛ لأنه المباشر للحكم حقيقة ، وإن كان ذلك حكم اللّه في الحقيقة ؛ لأنه خليفته . وذكر اللّه تعالى لتفخيم شأنه عليه ، والإيذان بجلالة قدره عنده . فإذا دعوا إلى التحاكم بينهم إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ أي : فاجأ فريق منهم الإعراض عن المحاكمة إليه صلى اللّه عليه وسلم ؛ لكون الحق عليهم ، وقد علموا أنه صلى اللّه عليه وسلم يحكم بالحق على من كان . وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ على غيرهم يَأْتُوا إِلَيْهِ ؛ إلى الرسول مُذْعِنِينَ ؛ مسرعين في الطاعة ، طلبا لحقهم ، لا رضا بحكم رسولهم . قال الزجاج : والإذعان : الإسراع مع الطاعة . والمعنى : أنهم ؛ لمعرفتهم أنك لا تحكم إلا بالحق المر والعدل المحض ، يمتنعون من المحاكمة إليك ، إذا ركبهم الحق ، لئلا تنزعه منهم بقضائك عليهم لخصومهم ، وإن ثبت لهم حق على خصم أسرعوا إليك ، ولم يرضوا إلا بحكومتك ، لتأخذ لهم ما وجب لهم على خصمهم .

--> ( 1 ) انظر تفسير البغوي ( 6 / 55 ) ، وأسباب النزول للواحدي ( ص 337 ) .