ابن عجيبة
543
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الأحوال معصية ، ثم توبة ، ثم استقامة . وقال سهل : السابق : العالم ، والمقتصد : المتعلم ، والظالم : الجاهل . وقال أيضا : السابق : الذي اشتغل بمعاده ، والمقتصد : الذي اشتغل بمعاشه ومعاده ، والظالم : الذي اشتغل بمعاشه عن معاده . وقيل : الظالم : الذي يعبده على الغفلة والعادة ، والمقتصد : الذي يعبده على الرغبة والرهبة ، والسابق : الذي يعبده على الهيبة والاستحقاق . وقيل : الظالم : من أخذ الدنيا حلالا وحراما ، والمقتصد : المجتهد ألا يأخذها إلا من حلال ، والسابق : من أعرض عنها جملة . وقيل : الظالم : طالب الدنيا ، والمقتصد : طالب الآخرة ، والسابق : طالب الحق لا يبغى به بدلا . جعلنا اللّه منهم بمنّه وكرمه . وقال عكرمة والحسن وقتادة : الأقسام الثلاثة في جميع العباد ؛ فالظالم لنفسه : الكافر ، والمقتصد : المؤمن العاصي ، والسابق : التقى على الإطلاق . وقالوا هذه الآية نظير قوله تعالى : وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً « 1 » والتحقيق ما تقدم . وقوله : بِإِذْنِ اللَّهِ أي : بأمره ، أو : بتوفيقه وهدايته ذلِكَ أي : إيراث الكتاب والاصطفائية . أو السبق إلى الخيرات هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ الذي لا أكبر منه ، وهو جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها أي : الفرق الثلاث ؛ لأنها ميراث ، والعاق والبار في الميراث سواء ، إذا كانوا مقرين في النسب . وقرأ أبو عمرو بالبناء للمفعول . يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ ؛ جمع أسورة ، جمع سوار ، مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً أي : من ذهب مرصّع باللؤلؤ . وقرأ نافع بالنصب « 2 » ، عطف على محل أساور ، أي : يحلون أساور ولؤلؤا . وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ ؛ لما فيه من اللذة والليونة والزينة . وَقالُوا بعد دخولهم الجنة : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ؛ خوف النار ، أو : خوف الموت ، أو : الخاتمة ، أو : هم الرزق . والتحقيق : أنه يعم جميع الأحزان والهموم ، دنيوية أو أخروية ، وعن ابن عمر : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ليس على أهل لا إلا اللّه وحشة ، في قبورهم ، ولا في محشرهم ، وكأني بأهل لا إله إلا اللّه يخرجون من قبورهم ، وهم ينفضون التراب عن وجوههم ، فيقولون : الحمد للّه الذي أذهب عنا الحزن » « 3 » . إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ، يغفر الجنايات ، وإن كثرت ، ويقبل الطاعات ، ويشكر عاملها ، وإن قلّت . الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ
--> ( 1 ) الآية 7 من سورة الواقعة . ( 2 ) وهي أيضا قراءة عاصم . وقرأ الباقون بالجر عطفا على « ذهب » . انظر الإتحاف ( 2 / 393 ) . ( 3 ) أخرجه البغوي في تفسيره ( 6 / 424 ) وعزاه الحافظ ابن حجر ، في الكافي الشاف ( ص 139 ) لأبى يعلى ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في أول الشعب ، والطبراني في الأوسط .