ابن عجيبة

538

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وقال في لطائف المنن : شاهد العلم ، الذي هو مطلب اللّه تعالى : الخشية ، وشاهد الخشية : موافقة الأمر ، فأما علم تكون معه الرغبة في الدنيا ، والتملق لأربابها ، وصرف الهمة لاكتسابها ، والجمع ، والادخار ، والمباهاة ، والاستكثار ، وطول الأمل ، ونسيان الآخرة ، فما أبعد من هذا نعته من أن يكون من ورثة الأنبياء ! وهل ينتقل الشيء الموروث إلى الوارث إلا بالصفة التي كان بها عند الموروث عنه . ومثل من هذه الأوصاف أوصافه من العلماء كالشمعة ، تضئ على غيرها ، وهي تحرق نفسها . جعل اللّه العلم - الذي علمه من هذا وصفه - حجة عليه ، وسببا في تكثير العقوبة لديه . ه . وتقديم اسم اللّه تعالى ، وتأخير العلماء ، يؤذن أن معناه : إن الذين يخشون اللّه من عباده العلماء دون غيرهم . ولو عكس ، بأن قال : إنما يخشى العلماء اللّه ، لكان المعنى : أنهم لا يخشون إلا اللّه . وقرأ أبو حنيفة وعمر بن عبد العزيز : بنصب « العلماء » ورفع « اللّه » . والخشية في هذه القراءة بمعنى التعظيم . والمعنى : إنما يعظم اللّه من عباده العلماء . وعنه صلى اللّه عليه وسلم : « يقول اللّه للعلماء يوم القيامة - إذا قعد على كرسيّه ، يفصل قضاء عباده : إني لم أجعل علمي وحلمى فيكم ؛ إلا وأنا أريد أن أغفر لكم ، على ما كان فيكم ، ولا أبالي » « 1 » ، قال المنذري : انظر إلى قوله : « علمي وحلمى » يتضح لك بإضافته إليه أنه لم يرد به علم أكثر أهل الزمان المجرّد عن العمل به والإخلاص . وفي رواية : « لم أجعل حكمتى فيكم إلا لخير أريده بكم ، ادخلوا الجنة بما فيكم » . وقال - عليه الصلاة والسلام - : « يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودماء الشهداء ، فيرجع مداد العلماء على دماء الشهداء » « 2 » . إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ، هو تعليل لوجوب الخشية ؛ لدلالته على عقوبة العصاة ؛ لعزته وغلبته ، وإثابة أهل الطاعة ، والعفو عنهم ؛ لعظيم غفرانه ، والمعاقب والمثيب حقه أن يخشى . الإشارة : العلماء على قسمين ؛ علماء بأحكام اللّه ، وعلماء باللّه ، العلماء بالأحكام يخشون غضبه وعقابه ، والعلماء باللّه يخشون إبعاده واحتجابه ، العلماء بالأحكام يتقون مواطن الآثام ، والعلماء باللّه يتقون سوء الأدب في حضرة الملك العلام . فخشية العلماء باللّه أرق وأشد . العلماء باللّه أخذوا علمهم من اللّه ، والعلماء بالأحكام أخذوا علمهم عن الأموات . قال الشيخ أبو يزيد رضي اللّه عنه : في علماء أهل الرواية : مساكين أخذوا علمهم ميت عن ميت ، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت . ه .

--> ( 1 ) أخرجه للطبراني في الكبير ( 1381 ) من حديث ثعلبة بن الحكم الصحابي . قال الهيثمي في مجمع الزوائد ( 1 / 126 ) : ورجاله موثقون . ( 2 ) عزاه السيوطي في الجامع الصغير ( ح / 10026 ) للمرهبي ، عن عمران بن حصين ، وابن عبد البر ، في العلم ، عن أبي الدرداء ، وابن الجوزي في العلل ، عن النعمان بن بشير ، وضعّفه .