ابن عجيبة

535

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وقوله تعالى : وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ . النذير على قسمين : نذير من وبال الذنوب ، ونذير من وبال العيوب . فوبال الذنوب : العذاب ، ووبال العيوب : الحجاب ، فمن تطهر من الذنوب استوجب نعيم الجنان ، ومن تطهر من العيوب استوجب لذيذ الشهود والعيان . فالنذير الأول عالم بأحكام اللّه ، والثاني عارف باللّه ، الأول مقتصد ، والثاني سابق ، ولا يخلو الدهر منهما ، حتى يأتي أمر اللّه ، فالشريعة باقية بقيام العلماء ، والطريقة والحقيقة قائمتان بقيام الأولياء العارفين باللّه ، أهل التربية النبوية ، بالاصطلاح ، والهمة ، والحال . ومن قال خلاف هذا فقد قال بالمحال . ثم سلّى نبيه ؛ لأنه لمّا أنذر قومه قابلوه بالتكذيب ، فقال : [ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 25 إلى 26 ] وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ ( 25 ) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ( 26 ) يقول الحق جل جلاله : وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ أي : قومك فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ رسلهم ، حال كونهم قد جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ؛ بالمعجزات الواضحة ، وَبِالزُّبُرِ ؛ وبالصحف وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ أي : التوراة ، والإنجيل ، والزبور . ولمّا كانت هذه الأشياء من جنسهم ، أسند المجيء بها إليهم إسنادا مطلقا ، وإن كان بعضها في جميعهم ، وهي البينات ، وبعضها في بعضهم ، وهي الزبر والكتاب . ويجوز أن يراد بالزبر والكتاب واحد ، والعطف لتغاير الوصفين ، فكونها زبر باعتبار ما فيها من المواعظ التي تزير القلوب ، وكونها كتبا منيرة ؛ لما فيها من الأحكام والبراهين النيرة . ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي : ثم عاقبت الكفرة بأنواع العقاب ، فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ؛ إنكاري عليهم ، وتعذيبى لهم ؟ والاستفهام للتهويل . الإشارة : تكذيب الصادقين سنّة ماضية . فأولياء كل زمان يتسلون بمن سلف قبلهم ، فقد قتل بعضهم ، وسجن بعضهم ، وأجلى بعضهم ، إلى غير ذلك ؛ زيادة في مقامهم وترقية بأسرارهم . واللّه عليم حكيم . ثم ذكر دلائل قدرته على إهلاك من خالف أمره ، فقال : [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 27 ] أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ ( 27 )