ابن عجيبة

532

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

؛ ذا قرابة قريبة ، كأب ، وولد ، وأخ . والفرق بين معنى قوله : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وبين قوله : إِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ أنّ الأول دالّ على عدل اللّه في حكمه ، وأنه لا يؤاخذ نفسا بغير ذنبها ، والثاني : في بيان أنه لا غياث يومئذ لمن استغاث ، فمن أثقلته ذنوبه ثم استغاث بأحد لم يغثه ، وهذا غاية الإنذار . ثم بيّن من ينتفع به بقوله : إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ أي : إنما ينتفع بإنذارك من خشي ربه بِالْغَيْبِ أي : يخشون ربهم غائبين عنه ، أو : يخشون عذابه غائبا عنهم ، فهو حال ، إما من الفاعل أو المفعول المحذوف . أو : يخشون ربهم في حال الغيب ، حيث لا اطلاع للغير عليهم ، فيتقون اللّه في السر ، كما يتقون في العلانية . وَأَقامُوا الصَّلاةَ ؛ أتقنوها في مواقيتها ، وَمَنْ تَزَكَّى أي : تطهر بفعل الطاعات ، وترك المنهيات ، فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ ؛ إذا نفعه يعود لها ، وهو اعتراض مؤكد لخشيتهم ، وإقامتهم الصلاة ؛ لأنها من جملة التزكى . وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ؛ المرجع ، فيجازيهم على تزكيتهم ، وهو وعد للمتزكّين بالثواب . الإشارة : وبال الوزر خاص بصاحبه ، إلا إذا كان مقتدى به ، فإنّ عيبه أو نقصه يسرى في أصحابه ، حتى يطهر منه ؛ لأن الصحبة صيرت الجسدين واحدا . وراجع ما تقدم عند قوله : وَاتَّقُوا فِتْنَةً . . . « 1 » الآية . قال القشيري : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى : كلّ مطالب بعمله ، ومحاسب عن ديوانه . ولكلّ معه شأن ، وله مع كلّ أحد شأن ، ومن العبادات ما تجرى فيها النيابة ، ولكن في المعارف لا تجرى النيابة ؛ ولو أن عبدا عاصيا منهمكا في غوايته فاتته صلاة مفروضة ، فلو قضى عنه ألف ولىّ ، وألف صفىّ ، تلك الصلاة الواحدة ، عن كل ركعة ألف ركعة لم تقبل . ه . وقال في قوله تعالى : إِنَّما تُنْذِرُ . . . إلخ : الإنذار هو الإعلام بموضع المخافة . والخشية هي المخافة ، فمعنى الآية : لا ينتفع بالتخويف إلا صاحب الخوف - طير السماء على إلا فها تقع . ه . ثم ضرب المثل لمن تزكى ، ومن لم يتزك ، فقال : [ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 19 إلى 24 ] وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ( 19 ) وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ ( 20 ) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ ( 21 ) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ( 22 ) إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ ( 23 ) إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيها نَذِيرٌ ( 24 )

--> ( 1 ) الآية 25 من سورة الأنفال .