ابن عجيبة
525
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
إليه ، وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ أي : يكون عمره قصيرا إِلَّا فِي كِتابٍ أي : اللوح المحفوظ ، أو : صحيفة الإنسان . وقال ابن جبير : « مكتوب في أول الكتاب : عمره كذا وكذا ، ثم يكتب أسفل ذلك : ذهب يوم ، ذهب يومان ، ذهب ثلاثة ، حتى ينقطع عمره » « 1 » . ففسر النقص بالذهاب ، ولا يذهب شئ من عمره إلا في كتاب . ويمكن أن يجرى على ظاهره ، باعتبار المحو والإثبات في غير أم الكتاب ، كما ورد في صلة الرحم وقطعها . وانظر عند قوله : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ . . . « 2 » إلخ . إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ أي : إحصاء الأعمار ، أو زيادتها ونقصانها ، سهل على علم اللّه وقدرته . الإشارة : أصل نشأة الأشباح من الصلصال ، وأصل نشأة الأرواح من نور الكبير المتعال ، فمن غلبت طينته على روحانيته ، وهواه على عقله ، التحق بالبهائم ، ومن غلبت روحانيته على بشريته ، وعقله على هواه ، التحق بالملائكة الكرام . وقوله تعالى : وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ . . الآية ، طول العمر وقصره عند الحكماء ، ليس هو بكثرة آماده ، وإنما هو بكثرة أمداده . وفي الحكم : « ربّ عمر اتسعت آماده ، وقلّت أمداده ، وربّ عمر قليلة آماده ، كثيرة أمداده » . والأمداد : ما يجد القلب من معارف اللّه ، وعلومه ، وأنواره ، وأسراره . فربّ قلب استمد في زمان قليل ، من العلوم والمعارف والأسرار ، ما لم يستمده غيره في أزمنة متطاولة . وقال أيضا : « من بورك له في عمره ، أدرك في يسير من الزمان من منن اللّه تعالى ، ما لا يدخل تحت دوائر العبارة ، ولا تلحقه الإشارة » « 3 » . والغالب أن هذه الأمداد إنما تنال بصحبة الرجال العارفين باللّه ، فإن المدد الذي يحصل له معهم في ساعة واحدة ؛ لا يحصل في أزمنة طويلة مع غيرهم ، ولو كثرت صلاتهم وصيامهم . وقال في القوت : فإن البركة في العمر أن تدرك في عمرك القصير ، بيقظتك ، ما فات غيرك في عمره الطويل بعد ، فيرتفع لك في السنة ما لا يرتفع لغيرك في عشرين سنة . وللخصوص من المقربين في مقامات القرب عند التجلي بصفات الرب إلحاق برفع الدرجات ، وتدارك بما فات عند أذكارهم ، وأعمال قلوبهم ، اليسيرة ، في هذه الأوقات . فكل ذرة من تسبيح ، أو تهليل ، أو حمد ، أو تدبر ، أو تبصرة ، أو تفكر وتذكرة ، لمشاهدة قرب ، ووجد برب ، ونظرة إلى حبيب ، ودنو من قريب ، أفضل من أمثال الجبال من أعمال الغافلين ، الذين هم لنفوسهم واجدون ، وللخلق مشاهدون . ومثال العارفين ، فيما ذكرناه ؛ من قيامهم بشهادتهم ورعايتهم لأماناتهم وعهدهم ، في وقت
--> ( 1 ) عزاه السيوطي في الدر المنثور ( 5 / 464 ) لعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبى الشيخ في العظمة . ( 2 ) الآية 40 من سورة الرعد . ( 3 ) انظر الحكم بتبويب المتقى الهندي ( ص 28 ، حكمة 259 ، 260 ) .