ابن عجيبة
51
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم قال تعالى : وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ ، « من » الأولى : لابتداء الغاية ، والثانية : بدل من الأولى ، والثالثة : لبيان الجنس ، أي : ينزّل البرد ، وهو الثلج المكور ، من السماء ، أي : الغمام العلوي ، فكل ما علاك سماء ، من جبال فيها كائنة من البرد ، ولا غرابة في أن اللّه يخلق في السماء جبال برد كما خلق في الأرض جبال حجر . قال ابن جزى : قيل : إن الجبال هنا حقيقة ، وإن اللّه جعل في السماء جبالا من برد ، وقيل : إنه مجاز ، كقولك : عند فلان جبال من مال أو علم ، أي : هن في الكثرة مثل الجبال . ه . وأصله لابن عطية . وقال الشيخ أبو زيد الثعالبي : حمل اللفظ على حقيقته أولى ، إن لم يمنع من ذلك مانع . ه . يعنى : ولا مانع هنا ، فيحمل على ظاهره ، وإن اللّه خلق جبال برد في السماء . وقال الهروي عن ابن عرفة - يعنى اللغوي - : سمعت أحمد بن يحيى يقول : فيه قولان : أحدهما : وينزل من السماء بردا من جبال في السماء من برد ، والآخر : وينزل من السماء أمثال الجبال من البرد . ويقال : إنما سمى بردا ؛ لأنه يبرد وجه الأرض أي : يقشره . ه . قال البيضاوي : إن الأبخرة إذا تصاعدت ولم يتخللها حرارة ، فبلغت الطبقة الباردة من الهواء ، وقوى البرد هناك ، اجتمع وصار سحابا ، فإن لم يشتد البرد تقاطر مطرا ، وإن اشتد ، فإن وصل إلى الأجزاء البخارية قبل اجتماعها ، نزل ثلجا ، وإلّا نزل بردا ، وقد يبرد الهواء بردا مفرطا فينقبض ، وينعقد سحابا ، وينزل منه المطر أو الثلج . وكل ذلك لا بد وأن يسند إلى إرادة الواجب الحكيم ؛ لقيام الدليل على أنها الموجبة لاختصاص الحوادث بمحالّها وأوقاتها ، وإليه أشار بقوله : فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ والضمير للبرد . ه . أي : فيصيب بذلك البرد من يشاء أن يصيبه به ، فيناله ما ناله من ضرره في بدنه وماله ؛ من زرع أو غيره . وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ أن يصرفه عنه ، فينجو من غائلته . يَكادُ سَنا بَرْقِهِ أي : ضوء برق السحاب ، الموصوف بما مر من الإزجاء والتآلف . وإضافة البرق إليه ، قبل الإخبار بوجوده ، فيه إيذان بظهور أمره واستغنائه عن التصريح به . وقيل : الضمير للسماء ، وهو أقرب ، أي : يكاد ضوء برق السماء ، ويحتمل أن يعود على « اللّه » تعالى ؛ لتقدم ذكره ، أي : يكاد ضوء برقه تعالى يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ ، أي : يخطفها من فرط الإضاءة ، وسرعة ورودها ، ولو عند إغماضها . يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ أي : يصرفهما بالتعاقب ، فيأتي هذا بعد هذا ، أو ينقص أحدهما وزيادة الآخر ، أو بتغيير أحوالهما بالحر والبرد وغيرهما . إِنَّ فِي ذلِكَ ، الإشارة إلى ما فصل آنفا ، أي : إن في إزجاء السحاب ، وإنزال الودق ، وتقليب الليل والنهار ،