ابن عجيبة

495

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

عما تعملون . وسيجمع اللّه بيننا ، ويحكم بما هو الحق ، فإن كنتم تعتمدون على الأسباب ، وتركنون إليها ، فهو شرك ، أروني الذين ألحقتم به شركاء ، كلا ، بل هو اللّه العزيز الحكيم ، يعز أولياءه ، المتوجهين إليه ، الحكيم في إسقاط من أعرض عنه إلى غيره . قال القشيري : قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ، أخبر سبحانه أنه يجمع بين عباده ، ثم يعاملهم في حال اجتماعهم ، بغير ما يعاملهم في حال افتراقهم ، وللاجتماع أثر كبير في الشريعة ، وللصلاة في الجماعة أثر مخصوص . ثم قال : وللشيوخ في الاجتماع زوائد ، ويستروحون إلى هذه الآية : قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ . . . ه . ولمّا ذكر ما منّ به على داود وسليمان ، وذكر وبال من لم يشكر النعم ، ذكر ما منّ به على نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم من عموم الرسالة والدعوة ، فقال : [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 28 إلى 30 ] وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 28 ) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 29 ) قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ ( 30 ) قلت : « كافة » : حال من « الناس » ، على قول الفارسي وابن جنى وابن كيسان ، واختاره ابن مالك . وقال الأكثر : إنه حال من الكاف ، والتاء للمبالغة ، وما قاله ابن مالك أحسن . انظر الأزهري . يقول الحق جل جلاله : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ أي : جميعا ، إنسهم وجنّهم ، عربيهم وعجميهم ، أحمرهم وأسودهم . وقدّم الحال للاهنمام . قال صلى اللّه عليه وسلم : « أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد قبلي ؛ بعثت إلى الأحمر والأسود ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وأحلت لي الغنائم ، ولم تحّل لأحد قبلي ، ونصرت بالرّعب مسيرة شهر ، وأعطت الشفاعة ، فادخرتها لأمتي يوم القيامة ، وهي إن شاء اللّه نائلة من لا يشرك باللّه شيئا » « 1 » . أو : وما أرسلناك إلا رسالة عامة لهم ، محيطة بهم ؛ لأنها إذا عمتهم فقد [ كفتهم ] « 2 » أن يخرج منها أحد . وقال الزجاج : معنى الكافة في اللغة : الإحاطة ، والمعنى : أرسلناك جامعا للناس في الإنذار والإبلاغ ، على أنه حال

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في ( التيمم ، باب 1 ح 335 ) ومسلم في ( فاتحة كتاب المساجد ومواضع الصلاة 1 / 370 ، ح 521 ) من حديث جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه . ( 2 ) في الأصول [ كفهم ] والمثبت من تفسير أبى السعود .