ابن عجيبة
487
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الخمط : الحامض المر من كل شئ ، وكل نبت أخذ طعما من مرارة وحموضة ، وشجر كالسدر ، وشجر قاتل ، أو كل شجر لا شوك له . ه . وقرأ البصريان بالإضافة ، من إضافة الشيء إلى جنسه ، كثوب خز ؛ لأن المراد بالأكل المأكول ، أي : ذواتي ثمر شجر بشيع . والباقون : بالتنوين ، عطف بيان ، أو صفة ، بتأويل خمط ببشيع ، أي : مأكول بشيع . وَأَثْلٍ ؛ هو شجر يشبه الطرفاء ، أعظم منه ، وأجود عودا . وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ . والحاصل أن اللّه تعالى أهلك أشجارهم المثمرة ، وأنبت مكانها الطرفاء والسدر . وإنما قال : السدر ، لأنه أكرم ما بدلوا به ؛ لأنه يكون في الجنان . ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا أي : جزيناهم ذلك بكفرهم ، فذلك مفعول مطلق بجزينا ، وهل يجازى « 1 » هذا الجزاء الكلى إِلَّا الْكَفُورَ أي : لا يجازى بمثل هذا الجزاء إلا من كفر النعمة ولم يشكرها ، أو : كفر باللّه ، أو هل يعاقب ؛ لأن الجزاء وإن كان عامّا يستعمل في معنى المعاقبة ، [ وفي معنى الإثابة ] « 2 » لكن المراد الخاص ، وهو المعاقبة . قال الواحدي : وذلك لأن المؤمن يكفر عنه سيئاته ، والكافر يجازى بكل سوء عمله . قلت : بل الظاهر المجازاة الدنيوية بسلب النعم ، ولا تسلب إلا للكفور ، دون الشكور . قاله في الحاشية . وعن الضحاك : كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد - عليهما السلام . ه . قلت : ولعلهم استمروا من زمن سليمان إلى أن جاوزوا زمن عيسى عليه السّلام . الإشارة : لكل مريد وعارف جنتان عن يمين وشمال ، يقطف من ثمارهما ما يشاء ؛ جنة العبودية ، وجنة الربوبية ، جنة العبودية للقيام بآداب الشريعة ، وجنة الربوبية للقيام بشهود الحقيقة ، فيتفنن في جنة العبودية بعلوم الحكمة ، ويتفنن في جنة الربوبية بعلوم القدرة ، وهي أسرار الذات وأنوار الصفات . كلوا من رزق ربكم حلاوة المعاملة في جنة العبودية ، وحلاوة المشاهدة في جنة الربوبية ؛ بلدة طيبة هي جنة الربوبية ؛ إذ لا أطيب من شهود الحبيب ، ورب غفور لتقصير القيام بآداب العبودية ؛ إذ لا يقدر أحد أن يحصيها ، ولا جزءا منها . فأعرض أهل الغفلة عن القيام بحقهما ، ولم يعرفوهما ، فأرسلنا على قلوبهم سيل العرم ، وهو سيل الخواطر والوساوس ، وخوض القلب في حس الأكوان ، فبدلناهم بجنتيهم جنتين ؛ مرارة الحرص والتعب ، والهم والشغب . ذلك جزيناهم بكفرهم بطريق الخصوص من أهل التربية ، وهل يجازى إلا الكفور .
--> ( 1 ) قرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص ، ويعقوب ( وهل نجازى ) بنون العظمة وكسر الزاي ، ونصب « الكفور » . وقرأ الباقون ( يجازى ) بالياء المضمومة ، وفتح الزاي ، ورفع الكفور . انظر الإتحاف ( 2 / 385 ) . ( 2 ) ما بين المعقوفتين زيادة ليست في الأصول . وأثبته لاقتضاء السياق له .