ابن عجيبة

485

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قيذر بن إسماعيل . وقيل : هو ابن الهميسع ابن أيمن . وبأيمن سميت اليمن ، وقيل : لأنها عن يمين الكعبة . هذا والعرب كلها يجمعها أصلان : عدنان وقحطان ، فلا عربى في الأرض إلا وهو ينتهى إلى أحدهما ، فيقال : عدنانى أو قحطانى . ومن جعل العرب كلها من ولد إسماعيل مرّ على أن قحطان من ذرية إسماعيل ، كما تقدم ، واختلف في خزاعة ، فقيل : قحطانية ، وقيل : عدنانية ، وأن جدهم عمرو بن لحى ، وأما الأوس والخزرج فهما من ذرية سبأ ، نزلت يثرب ، بعد سيل العرم ، كما يأتي . قال تعالى : لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ « 1 » أي : في بلدهم ، أو أرضهم ، التي كانوا مقيمين فيها باليمن ، آيَةٌ دالة على وحدانيته تعالى ، وباهر قدرته ، وإحسانه ، ووجوب شكر نعمه ، وهي : جَنَّتانِ أي : جماعة من البساتين ، عَنْ يَمِينٍ واديهم ، وَشِمالٍ ؛ وعن شماله . وكل واحدة من الجماعتين في تقاربها وتصافها كأنها جنة واحدة ، كما يكون بساتين البلاد العامرة . قيل : كان الناس يتعاطون ذلك على جنبتي الوادي ، مسيرة أربعين يوما ، وكلها تسقى من ذلك الوادي ؛ لارتفاع سده . أو : أراد بستانين ، لكل رجل بستان عن يمين داره ، وبستان عن شماله . ومعنى كونهما آية : أن أهلها لمّا أعرضوا عن شكر النعم سلبهم اللّه النعمة ، ليعتبروا ويتعظوا ، فلا يعودوا لما كانوا عليه من الكفر وغمط النعم ، فلما أثمرت البساتين ؛ قلنا لهم - على لسان الرسل المبعوثين إليهم ، أو بلسان الحال ، أو هم أحقاء بأن يقال لهم ذلك : كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بالإيمان والعمل الصالح ، بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ أي : هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة ، وَرَبٌّ غَفُورٌ أي : وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم ربّ غفور لمن شكره . قال ابن عباس : كانت سبأ على ثلاثة فراسخ من صنعاء ، وكانت أخصب البلاد ، فتخرج المرأة على رأسها المكتل ، وتسير بين تلك الشجر ، فيمتلئ المكتل مما يتساقط فيه من الشجر « 2 » ولقد كان الرجل يخرج لزيارة أقاربه ، وعلى رأسه مكتل ، أو قفة ، أو طبق فارغ ، فلا يصل إلى حيث يريد إلا والطبق قد امتلأ فاكهة ، مما تسقطه الرياح ، دون أن يمد يده إلى شئ من ثمرها . ومن طيبها : أنها لم تر في بلدهم بعوضة قط ، ولا ذباب ، ولا برغوث ، ولا عقرب ، ولا حية . وإذا جاءهم الركب في ثيابهم القمل والدواب ؛ ماتت الدواب والقمل ؛ لطيب هواها .

--> ( 1 ) قرأ حمزة ، وحفص : ( مسكنهم ) بسكون السين وفتح الكاف ، بلا ألف على الإفراد . وقرأ الكسائي بالتوحيد وكسر الكاف . وقرأ الباقون « مساكنهم » بفتح السين وألف وكسر الكاف على الجمع . وقد سار الشيخ المفسر على قراءة الجمع . انظر الإتحاف ( 2 / 384 ) . ( 2 ) أخرجه الطبري ( 22 / 77 ) عن قتادة .