ابن عجيبة

482

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ ، أي : عصاه ، سميت منسأة ؛ لأنها تنسى ، أي : تطرح ويرمى بها . وفيها لغتان ؛ الهمز وعدمه ، فقرأ نافع وأبو عمرو بترك الهمز ، وعليه قول الشاعر : إذا دببت على المنساة من كبر * فقد تباعد عنك اللهو والغزل وقرأ غيرهما بالهمز ، وهو أشهر . فَلَمَّا خَرَّ ؛ سقط سليمان تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أي : تحققت وعلمت علما يقينا ، بعد التباس الأمر على عامتهم وضعفتهم ، أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا بعد موت سليمان فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ ؛ في العمل الشاق له ، لظنهم حياته ، فلو كانوا يعلمون الغيب كما زعموا لعلموا موته . وذلك أن داود عليه السّلام أسس بيت المقدس ، في موضع فسطاط موسى عليه السّلام ، فمات قبل أن يتمه ، فوصّى به إلى سليمان ، فأمر الشياطين بإتمامه . فلما بقي من عمره سنه ، سأل اللّه تعالى أن يعمّى عليهم موته حتى يفرغوا ، ولتبطل دعواهم علم الغيب . وكان عمر سليمان ثلاثا وخمسين سنة . وملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة . فبقى في ملكه أربعين سنة ، وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه . قال الثعلبي : فبنى سليمان المسجد بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر ، وعمّره بأساطين المها الصافي ، وسقفه بأنواع الجواهر ، وفضض سقوفه وحيطانه باللئالئ ، وسائر أنواع الجواهر ، وبسط أرضه بألواح الفيروزج ، فلم يكن في الأرض أبهى ولا أنور من ذلك المسجد . كان يضئ في الظلمة كالقمر ليلة البدر « 1 » . ومن أعاجيب ما اتخد في بيت القدس ، أن بنى بيتا وطيّن حائطه بالخضرة ، وصقله ، فإذا دخله الورع البار استبان فيه خياله أبيض ، وإذا دخله الفاجر استبان فيه خياله أسود ، فارتدع كثير من الناس عن الفجور . قال صلى اللّه عليه وسلم : « لما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس سأل ربه ثلاثا ، فأعطاه اثنتين ، وأن أرجو أنى يكون قد أعطاه الثالثة ، سأله حكما يصادف حكمه ، فأعطاه إياه ، وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ، فأعطاه إياه ، وسأله ألا يأتي أحد هذا البيت يصلى فيه ركعتين إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ، وأنا أرجو أن يكون قد أعطاه ذلك » « 2 » ه . فلم يزل بيت المقدس على ما بناه سليمان عليه السّلام حتى خرّ به بخت نصر ، وأخذ ما كان فيه من الذهب والفضة واليواقيت ، وحمله إلى دار مملكته من العراق . ثم قال « 3 » : قال المفسرون : كان سليمان ينفرد في بيت المقدس السنة والسنتين ، والشهر والشهرين ، يدخل فيه طعامه وشرابه ، فدخله في المرة التي مات فيها . وكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا نبتت في بيت

--> ( 1 ) انظر تفسير البغوي ( 5 / 390 ) . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة في ( الإقامة ، باب ما جاء في الصلاة في مسجد المقدس 1 / 452 ، ح 1408 ) من حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنه . ( 3 ) أي الثعلبي .