ابن عجيبة
48
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وصف النور المذكور قبلها مبالغة . ه . وقوله : لما ذكر حال المؤمنين ، يعنى بقوله : رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ . . إلخ ، اللّه بقوله : يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ ، وقيل : كلا المثالين في الآخرة ، يخيبون من نفعها ، ويخوضون في بحر ظلمتها . وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً في قلبه ، من نور توحيده ومعرفته ، فَما لَهُ مِنْ نُورٍ أي : من لم يشأ اللّه أن يهديه لنوره : لم يهتد ، وفي الحديث : « خلق اللّه الخلق في ظلمة ، ثم رش عليها من نوره ، فمن أصابه ذلك النور اهتدى ، ومن أخطأه ضل » ، وينبغي للقارئ عند هذه الآية أن يقول : ( اللهمّ اجعل في قلبي نورا ، وفي سمعي نورا ، وفي بصرى نورا ، وعن يميني نورا ، وعن شمالي نورا ، ومن فوقى نورا ، ومن تحتى نورا ، واجعلني نورا ، وأعظم لي نورا ) « 1 » ، كما في الحديث في غير هذا المحل . الإشارة : كل من لم يتحقق بمقام الإخلاص كانت أعماله كسراب بقيعة ، يحسبه الظمآن ماء ، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ، ووجد اللّه عنده ، فوفاه حسابه ، أي : يناقشه فيما أراد بعمله ، وأهل التوحيد الخاص : الوجود كله ، عندهم ، كالسراب ، يحسبه الناظر إليه شيئا ، حتى إذا جاءه بفكرته لم يجده شيئا ، ووجد اللّه عنده وحده ، وفيه يقول الشاعر : من أبصر الخلق كالسّراب * فقد ترقّى عن الحجاب إلى وجود تراه رتقا * بلا ابتعاد ولا اقتراب ولم تشاهد به سواه * هناك يهدى إلى الصّواب فلا خطاب به إليه * ولا مشير إلى الخطاب ومثال من عكف على دنياه ، واتخذ إلهه هواه ، كذى ظلمات في بحر لجي ، وهو بحر الهوى ، يغشاه موج الجهل والمخالفات ، من فوقه موج الحظوظ والشهوات ، من فوقه سحاب أثر الكائنات ، أو : يغشاه موج الغفلات ، من فوقه موج العادات ، من فوقه سحاب الكائنات ، ظلمات بعضها فوق بعض ؛ من حب الدنيا ، وحب الجاه ، وحب الرئاسة ، إذا أخرج يد فكرته لم يكد يراها .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في ( الدعوات ، باب الدعاء إذا انتبه من الليل ح 6316 ) ، ومسلم في ( صلاة المسافرين ، باب الدعاء في صلاة الليل ، 1 / 525 - 526 ، ح 763 ) ، من حديث ابن عباس رضي اللّه عنه .