ابن عجيبة

476

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وما يدلان عليه من كمال قدرته تعالى لدلالة ظاهرة على البعث والإنشاء من بعد التفريق ، لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ؛ راجع بقلبه إلى ربه ، مطيع له تعالى ، إذ المنيب لا يخلو من النظر في آيات اللّه ، فيعتبر ، ويعلم أن من قدر على إنشاء هذه الأجرام العظام ، قادر على إحياء الأموات وبعثها ، وحسابها وعقابها . الإشارة : يقول شيوخ التربية : بقدر ما يمزق الظاهر بالتخريب والإهمال ؛ يحيى الباطن ويعمر بنور اللّه ، وبقدر ما يعمر الظاهر يخرب الباطن ، فيقع الإنكار عليهم ، ويقول الجهلة : هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم في الظاهر كل ممزق ، يجدد الايمان والإحسان في بواطنكم ، أفترى على اللّه كذبا أم به جنة ؟ بل الذي لا يؤمنون بالنشأة الآخرة - وهي حياة الروح بمعرفة اللّه - في عذاب الحجاب والضلال ، عن معرفة العيان بعيد ، ما داموا على ذلك الاعتقاد ، ثم يهددون بما يهدد به منكر والبعث . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر تعالى نعمته على داود وسليمان ، احتجاجا على ما منح محمد - عليه الصلاة والسلام - من الرسالة والوحي ، ردا لقولهم : أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ، ودلالة على قدرته تعالى على البعث وغيره ، فقال : [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 10 إلى 11 ] وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ( 10 ) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 11 ) قلت : ( يا جبال ) : بدل من ( فضلا ) ، أو يقدر : وقلنا . و ( الطير ) : عطف على محل الجبال ، ومن رفعه فعلى لفظه . يقول الحق جل جلاله : وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا أي : مزية خصّ بها على سائر الأنبياء ، وهو ما جمع له من النبوة ، والملك ، والصوت الحسن ، وإلانة الحديد ، وتعلم صنعة الزرد ، وغير ذلك مما خص به ، أو : فضلا على سائر الناس بما ذكر ، وقلنا : يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ ؛ رجّعى معه التسبيح . ومعنى تسبيح الجبال معه : أن اللّه تعالى يخلق فيها تسبيحا ، فيسمع منها كما يسمع من المسبّح ، معجزة لداود عليه السّلام ، فكان إذا تخلل الجبال وسبح ؛ جاوبته الجبال بالتسبيح ، نحو ما سبّح به . وهو من التأويب ، أي : الترجيع ، وقيل : من الإياب بمعنى الرجوع ، أي : ارجعي معه بالتسبيح . وَالطَّيْرَ أي : أوبى معه ، أو : وسخرنا له الطير تؤب معه . قال وهب : فكان داود إذا نادى بالنياحة على نفسه ، من أجل زلته ، أجابته الجبال بصداها ، وعكفت الطير عليه من فوقه ، فصدى الجبال الذي يسمعه الناس منها هو من ذلك اليوم « 1 » .

--> ( 1 ) انظر تفسير البغوي ( 6 / 388 ) .