ابن عجيبة

473

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ولمّا كان قيام الساعة من الغيوب المستقبلية الحقية أتبعه بقوله : عالِمِ الْغَيْبِ ، وقرأ حمزة والكسائي : « علّام الغيب » ، بالمبالغة ، يعلم ما غاب في عالم ملكه وملكوته ، لا يَعْزُبُ عَنْهُ : لا يغيب عن علمه مِثْقالُ ذَرَّةٍ : مقدار أصغر نملة فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ ، وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ أي : من مثقال ذرة وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ؛ في اللوح المحفوظ ، أو في علمه القديم ، وكنّى عنه بالكتاب ؛ لأن الكتاب يحصى ما فيه . قال الغزالي ، في عقيدة أهل السنة : وأنه تعالى عالم بجميع المعلومات ، محيط بما يجرى من تخوم الأرض إلى أعلى السماوات ، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، يعلم دبيب النملة السوداء ، على الصخرة الصماء ، في الليلة الظلماء ، ويدرك حركة الذر في جو السماء ، ويعلم السر وأخفى ، ويطّلع على هواجس الضمائر ، وحركات الخواطر ، وخفيات السرائر ، بعلم قديم أزلي ، لم يزل موصوفا به في أزل الأزل . ه . ثم علل إتيان الساعة بقوله : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ، أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لما اقترفوا من العصيان ، وما قصروا فيه من مدراج الإيمان ، وَرِزْقٌ كَرِيمٌ لما صبروا عليه من مناهج الإحسان . وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ بالإبطال وتعويق الناس عنها ، أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ أي : لهم عذاب من أقبح العذاب مؤلم . ورفع « أليم » مكي وحفص ويعقوب ، نعت لعذاب ، وغيرهم بالجر نعت لرجز . قال قتادة : الرجز : سوء العذاب « 1 » . الإشارة : بقدر ما يربو الإيمان في القلب يعظم الإيمان بالبعث وما بعده ، حتى يكون نصب عين المؤمن ، لا يغيب عنه ساعة ، فإذا دخل مقام العيان ، استغرق في شهود الذات ، فغاب عن الدارين ، ولم يبق له إلا وجود واحد ، يتلون بهيئة الدنيا والآخرة . وفي الحقيقة ما ثمّ إلا واحد أحد ، الأكوان ثابتة بإثباته ، ممحوة بأحدية ذاته . كان اللّه ولا شئ معه ، وهو الآن كما كان ، ويكون في المآل كما هو الآن . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر ضدهم ، فقال : [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 6 ] وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ( 6 )

--> ( 1 ) أخرجه الطبري ( 22 / 61 ) .