ابن عجيبة
468
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ ، الأمانة هنا هي التوحيد في الباطن ، والقيام بوظائف الدين في الظاهر ، من الأوامر والنواهي ، فالإيمان أمانة الباطن ، والشريعة بأنواعها كلها أمانة الظاهر ، فمن قام بهاتين الخصلتين كان أمينا ، وإلا كان خائنا . والمعنى : إنا عرضنا هذه الأمانة على هذه الأجرام العظام ، ولها الثواب العظيم ، إن أحسنت القيام بها ، والعقاب الأليم إن خانت ، فأبت وأشفقت واستعفت منها ، مخافة ألا تقدر عليها ، فطلبت السلامة ، ولا ثواب ولا عقاب . وهذا معنى قوله : فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها . فيحتمل أن يكون الإباء بإدراك ، خلقه اللّه فيها ، وقيل : أحياها وأعقلها ، كقوله : ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً « 1 » . ويحتمل أن يكون هذا العرض على أهلها من الملائكة والجن . وقال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي : وقد يقال : الأمانة هي ما أخذ عليهم من عهد التوحيد في الغيب بعد الإشهاد لربوبيته ، وينظر لذلك قوله : « لن يسعني أرضى ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن » . وأما حملها على التكاليف فلا يختص بالآدمي ؛ لأن الجن أيضا مكلف ، ومناسبة الآية لما قبلها : أن الوفاء بها من جملة التقوى المأمور بها . ه . وقيل : لم يقع عرض حقيقة ، وإنما المقصود : تعظيم شأن الطاعة ، وسماها أمانة من حيث إنها واجبة الأداء . والمعنى : أنها لعظمة شأنها لو عرضت على هذه الأجرام العظام ، وكانت ذا شعور وإدراك ، لأبين أن يحملنها ، وأشفقن منها ، وحملها الإنسان ، مع ضعف بنيته ، ورخاوة قوته ، لا جرم ، فإن الراعي لها ، والقائم بحقوقها ، بخير الدارين . ه . قاله البيضاوي . والمراد بالإباية : الاستعفاء ، لا الاستكبار ، أي : أشفقن منها فعفا عنهن وأعفاهن . وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ أي : آدم . قيل : فما تم له يوم من تحملها حتى وقع في أمر الشجرة ، وقيل : جنس الإنسان ، وهذا يناسب حمل الأمانة على العهد الذي أخذ على الأرواح في عالم الغيب . إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا حيث تعرض لهذا الخطر الكبير ، ثم إن قام بها ورعاها حق رعايتها خرج من الظلم والجهل ، وكان صالحا أمينا
--> ( 1 ) الآية 11 من سورة فصلت .