ابن عجيبة
466
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى من بني إسرائيل فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا . وذلك أن بني إسرائيل كانوا يغتسلون عرايا ، ينظر بعضهم إلى بعض ، وكان موسى عليه السّلام يستتر لشدة حيائه ، فقالوا : ما يمنع موسى من الاغتسال معنا إلا أنه آدر - والأدرة : انتفاخ الأنثيين - أو : به عيب من برص أو غيره ، فذهب يغتسل وحده ، فوضع ثوبه على حجر ، ففرّ الحجر بثوبه ، فلجّ في أثره يقول : ثوبي حجر ، ثوبي حجر ! حتى نظروا إلى سوأته ، فقالوا : واللّه ما بموسى من بأس ، فقام الحجر من بعد ما نظروا إليه ، وأخذ ثوبه ، فطفق بالحجر ضربا ، ثلاثا أو أربعا « 1 » . وقيل : كان أذاهم : ادعاءهم عليه قتل أخيه . قال علىّ رضي اللّه عنه : صعد موسى وهارون الجبل ، فمات هارون ، فقالت بنو إسرائيل : أنت قتلته . وكان أشدّ لنا حبا ، وألين منك ، فآذوه بذلك ، فأمر تعالى الملائكة فحملته ، حتى مرت به على بني إسرائيل ، وتكلمت الملائكة بمماته ، حتى تحققت بنو إسرائيل أنه قد مات ، فبّرأ اللّه موسى من ذلك ، ثم دفنوه . فلم يطلع على قبره إلا الرّخم « 2 » من الطير ، وإن اللّه جعله أصم أبكم « 3 » ، وقيل : إنه على سرير في كهف الجبل . وقيل : إن قارون استأجر امرأة مومسة ، لتقذف موسى بنفسها على رأس الملأ ، فعصمها اللّه ، وبرأ موسى ، وأهلك قارون « 4 » . وقد تقدم . وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً ؛ ذا جاه ومنزلة رفيعة ، مستجاب الدعوة . وقرأ ابن مسعود والأعمش « وكان عبدا للّه وجيها » . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ في ارتكاب ما يكرهه ، فضلا عما يؤذى رسوله ، وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً ؛ صدقا وصوابا ، أو : قاصدا إلى الحق . والسداد : القصد إلى الحق والقول بالعدل . والمراد : نهيهم عما خاضوا فيه من حديث زينب من غير قصد وعدل في القول . والحث على أن يسددوا قولهم في كل باب ؛ لأن حفظ اللسان ، وسداد القول رأس كل خير ، ولذلك قال : يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ أي : يوفقكم لصالح الأعمال ، أو : يقبل طاعتكم ، ويثيبكم عليها ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ أي : يمحها .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في ( الأنبياء - باب 28 ح 3404 ) من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه . ( 2 ) الرّخم : نوع من الطير معروف ، واحدته : « رخمة » ، وهو موصوف بالغدر ، وقيل بالقذر . انظر النهاية ( 2 / 212 ) . ( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 22 / 52 ) والحاكم وصححه ( ) ، وانظر الدر المنثور ( 5 / 419 ) . ( 4 ) ذكره البغوي في التفسير ( 6 / 379 ) عن أبي العالية .