ابن عجيبة

463

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : ( لنغرينك ) : جواب القسم المغني عن جواب الشرط . و ( ثم لا يجاورنك ) : عطف عليه ؛ لأنه يصح أن يجاب به القسم ؛ لصحة قولك : لئن لم ينتهوا لا يجاورنك ، ولمّا كان الجلاء عن الوطن أعظم من جميع ما أصيبوا به عطف بثم ، لبعد حاله عن حال المعطوف عليه . و ( ملعونين ) : نصب على الشتم أو الحال ، والاستثناء دخل على الظرف والحال معا ، أي : لا يجاورنك إلا قليلا في اللعنة والبعد ، ولا يصح نصبه بأخذوا ؛ لأن ما بعد حرف الشرط لا يعمل فيما قبله . يقول الحق جل جلاله : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ عن نفاقهم وإيذائهم ، وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ؛ فجور ، وهم الزناة من قوله : « فيطمع الذي في قلبه مرض » . وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ ، وهم أناس كانوا يرجفون بأخبار السوء في المدينة ، من سرايا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فيقولون : هزموا وقتلوا ، وجرى عليهم كيت وكيت ، فيكسرون بذلك قلوب المؤمنين . يقال : رجف بكذا : إذا أخبر به على غير حقيقته ؛ لكونه خبرا مزلزلا غير ثابت ، من : الرجفة ، وهي الزلزلة ، لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ : لنأمرنك بقتالهم وإجلائهم ، أو ما يضطرهم إلى طلب الجلاء ، أو : لنسلطنك عليهم ، ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها ؛ في المدينة إِلَّا زمنا قَلِيلًا . والمعنى : لئن لم ينته المنافقون عن عداوتهم وكيدهم ، والفسقة عن فجورهم ، والمرجفون عما يلقون من أخبار السوء ، لنأمرنك بأن تفعل بهم الأفاعيل التي تسوءهم ، بأن تضطرهم إلى طلب الجلاء من المدينة ، وألّا يساكنوك فيها إلّا زمنا قليلا ، ريثما يرتحلون . فسمّى ذلك إغراء ، وهو التحريش ، على سبيل المجاز . حال كونهم مَلْعُونِينَ أي : لا يجاورونك إلا ملعونين ، مبعدين عن الرحمة أَيْنَما ثُقِفُوا ؛ وجدوا ، أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا ، والتشديد للتكثير . سُنَّةَ اللَّهِ أي : سنّ اللّه ذلك سنّة فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ في المنافقين الذين كانوا ينافقون الأنبياء من قبل ، ويسعون في وهنهم بالإرجاف ونحوه أن يقتّلوا أينما وجدوا ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا أي : لا يبدل اللّه سنّته ولا يقدر أحد أن يبدلها ، بل يجريها مجرى واحدا في الأمم كلهم . قال ابن جزى : تضمنت الآية وعيد هؤلاء الأصناف إن لم ينتهوا ، ولم ينفذ الوعيد فيهم . ففي ذلك دليل على بطلان القول بوجوب إنفاذ الوعيد في الآخرة . وقيل : إنهم انتهوا وستروا أمرهم ؛ فكف عنهم إنفاء الوعيد . ه . الإشارة : منافقو الصوفية هم الذين ينتسبون إلى الصوفية ، ويدّعون محبة القوم ، وهم يعترضون على الفقراء ، ويرفعون الميزان عليهم ، وهم الذين في قلوبهم مرض ، أي : حيرة وضيق من غم الحجاب ؛ إذ لو ارتفع عنهم