ابن عجيبة

459

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ومنها : أن اللّه تعالى أمر بها ، وحضّنا عليها ، تشريفا له وتكريما ، وتفضيلا لجلاله ، ووعد من استعملها حسن المآب ، وجزيل الثواب ، فهي من أنجح الأعمال ، وأرجح الأقوال ، وأزكى الأحوال ، وأحظى القربات ، وأعم البركات . وبها يتوصل إلى رضا الرحمن ، وتنال السعادة والرضوان ، وتجاب الدعوات ، ويرتقى إلى أرفع الدرجات . وأوحى اللّه تعالى إلى موسى عليه السّلام : يا موسى أتريد أن أكون أقرب إليك من كلامك إلى لسانك ، ومن وسواس قلبك إلى قلبك ، ومن روحك إلى بدنك ، ومن نور بصرك إلى عينيك ؟ قال : نعم يا رب ، قال : فأكثر من الصلاة على محمد صلى اللّه عليه وسلم . ومنها : أنه صلى اللّه عليه وسلم محبوب للّه عز وجل ، عظيم القدر عنده ، وقد صلّى عليه هو وملائكته ، فوجبت محبة المحبوب ، والتقرب إلى اللّه تعالى بمحبته ، وتعظيمه ، والاشتغال بحقه ، والصلاة عليه ، والاقتداء بصلاته ، وصلاة ملائكته عليه . قلت : وهذا التشريف أتم وأعظم من تشريف آدم عليه السّلام ، بأمر الملائكة بالسجود له ؛ لأنه لا يجوز أن يكون اللّه مع الملائكة في ذلك التشريف . فتشريف يصدر عنه مع ملائكة أبلغ من تشريف تختص به الملائكة . ومنها : ما ورد في فضلها ، ووعد عليها من جزيل الأجر وعظيم القدر ، وفوز مستعملها برضا اللّه ، وقضاء حوائج آخرته ودنياه . ومنها : ما فيها من شكر الواسطة في نعم اللّه علينا المأمور ، بشكره ، وما من نعمة للّه علينا ، سابقة ولا لاحقة ؛ من نعمة الإيجاد والإمداد ، في الدنيا والآخرة ، إلا وهو السبب في وصولها إلينا ، وإجرائها علينا ، فوجب حقه علينا ، ووجب علينا في شكر نعمته ألا نفتر عن الصلاة عليه ، مع دخول كل نفس وخروجه . ومنها : ما فيها من القيام برسم العبودية ، بالرجوع لما يقتضى الأصل نفيه ، فهو أبلغ في الامتثال ، ومن أجل ذلك كانت فضيلة الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم على كل عمل . والذي يقتضى الأصل نفيه ، هو كون العبد يتقرب إلى اللّه بالاشتغال بحق غيره ؛ لأن قولنا « اللهم صلّ على محمد » هو الاشتغال بحق محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وأصل التعبدات : ألا يتقرب إلى اللّه تعالى إلا بالاشتغال بحقه . ولكن لمّا كان الاشتغال بالصلاة على محمد بإذن من اللّه تعالى ، كان الاشتغال بها أبلغ في امتثال الأمر ، فهي بمثابة أمر اللّه تعالى للملائكة بالسجود لآدم ، فكان شرفهم في امتثال أمر اللّه ، وإهانة إبليس في مخالفة أمره سبحانه . ومنها : ما جرب من تأثيرها ، والنفع بها في التنوير ورفع الهمة ، حتى قيل : إنها تكفى عن الشيخ في الطريق ، وتقوم مقامه ، حسبما نقله الشيخ السنوسي ، والشيخ زروق ، وغيرهما .