ابن عجيبة

454

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

النبي إلا وقت الإذن ، ولا تدخلوها إلا غَيْرَ ناظِرِينَ أي : منتظرين إِناهُ أي : إدراكه ونضجه . قال ابن عزيز : إناه : بلوغ وقته ، يقال : أنى يأنى ، وآن يئين : إذا شهى ، بمنزلة : حان يحين . ه . وقال الهروي : أي : غير ناظرين نضجه وبلوغ وقته ، مكسور الهمزة مقصور ، فإذا فتحت مددت ، فقلت : الإناء ، أي غير ناظرين وقت الطعام وساعة أكله . روى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أو لّم على زينب بتمر وسويق ، وذبح شاة ، وأمر أنسا أن يدعوا الناس ، فترادفوا أفواجا ، يأكل كل فوج ، فيخرج ، ثم يدخل فوج ، إلى أن قال : يا رسول اللّه دعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه . فقال : « ارفعوا طعامكم » وتفرق الناس ، وبقي ثلاثة نفر يتحدثون ، فأطالوا ، فقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليخرجوا ، فطاف بالحجرات ، وسلم عليهن ، ودعون له ، ورجع ، فإذا الثلاثة جلوس يتحدثون . وكان صلى اللّه عليه وسلم شديد الحياء ، فتولى ، فلما رأوه متوليا خرجوا ، فنزلت الآية ، وهي آية الحجاب . قال أنس : فضرب بيني وبينه الحجاب « 1 » . قال تعالى : وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا ، فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا : تفرقوا ، وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ أي : ولا تدخلوها حال كونكم مستأنسين لحديث ، أو : غير ناظرين ولا مستأنسين ، فهو منصوب ، أو مجرور ، عطف على « ناظرين » ، نهوا أن يطيلوا الجلوس في بيته صلى اللّه عليه وسلم مستأنسين بعضهم ببعض ، لأجل حديث يتحدثون به ، إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ ؛ من إخراجكم ؛ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ، يعنى أن إخراجكم حق ، ما ينبغي أن يستحى منه ، ولا يترك بيانه ، حياء ، أو : لا يأمر بالحياء في الحق ، ولا يشرع ذلك . وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ أي : نساء النبي صلى اللّه عليه وسلم ، بدلالة البيوت عليهن ؛ لأن فيها نساءه ، مَتاعاً ؛ عارية أو حاجة ، فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ؛ ستر ، ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ من خواطر الشيطان وعوارض الفتن . وكانت النساء قبل هذه الآية يبرزن للرجال ، وكان عمر رضي اللّه عنه يحب ضرب الحجاب عليهن ، ويودّ أن ينزل فيه ، وقال : يا رسول اللّه : يدخل عليك البرّ والفاجر ، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب ؟ فنزلت « 2 » . وقيل : إنه عليه الصلاة والسلام ، كان يطعم ومعه بعض أصحابه ، فأصابت يد رجل يد عائشة ، فكره النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ذلك فنزلت الآية « 3 » . واللّه تعالى أعلم .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في ( التفسير ، سورة الأحزاب ، ح 4793 ) وفي ( الاستئذان ) ، ومسلم في ( النكاح ، باب زواج زينب بنت جحش 2 / 1052 ، ح 95 من كتاب النكاح ) من حديث سيدنا أنس رضي اللّه عنه . ( 2 ) أخرجه البخاري في ( التفسير ، باب : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ، ح 4483 ) . عن أنس رضي اللّه عنه . ( 3 ) أخرجه الطبري في التفسير ( 22 / 39 ) والواحدي في أسباب النزول ( ص 374 ) عن مجاهد ، مرسلا .