ابن عجيبة
452
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
من أجل الحفظة . وقال أيضا رضي اللّه عنه في بعض أدعيته : وأدرج أسمائي تحت أسمائك ، وصفاتى تحت صفاتك ، وأفعالى تحت أفعالك ، درج السلامة ، وإسقاط الملامة ، وتنزل الكرامة ، وظهور الإمامة . ه . فإذا اندرجت أسماء العبد وصفاته وأفعاله تحت أسماء الرب ، وصفاته ، وأفعاله ، لم يبق للعبد وجود أصلا ، وكان الفعل كله باللّه ، ومن اللّه ، وإلى اللّه . وهذا مقام عزيز ، لا يناله إلا الأفراد من أهل الفناء في اللّه ، والبقاء باللّه ، وقد غطى وصفهم بوصفه ، ونعتهم بنعته ، فغيّبهم عن اسمهم ورسمهم ، فهم باللّه فيما يفعلون ويذرون . واللّه تعالى أعلم . ثم قال تعالى : [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 52 ] لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً ( 52 ) يقول الحق جل جلاله : لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ أي : من بعد التسع ، اللاتي خيرتهن فاخترنك ؛ لأن التسع نصاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، كما أن الأربع نصاب أمته . لمّا اخترن اللّه ورسوله والدار الآخرة قصره اللّه عليهن ، وقيل : هي منسوخة كما يأتي . أو : لا يحلّ لك نساء الأجانب ، وإنما لك نساء قرابتك ، كبنات عمك ، وبنات عماتك ، وبنات خالك ، وبنات خالاتك ، فيحل لك منهن ما شئت ، ولو ثلاثمائة ، أو أكثر . أو : لا يحل لك النساء من غير المسلمات ، كالكتابيات والمشركات . وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ بالطلاق . والمعنى : ولا أن تستبدل بهؤلاء التسع أزواجا ، بكلهن أو بعضهن ، كرامة لهن ، وجزاء على ما اخترن ورضين . فقصر رسوله صلى اللّه عليه وسلم على التسع اللاتي مات عنهن . وقال أبو هريرة وابن زيد : كانت العرب في الجاهلية يتبادلون بالأزواج ، يعطى امرأة هذا أياما ويأخذ امرأته ، فأنزل اللّه : وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ بأن تعطي بعض أزواجك وتأخذ بعض أزواجهم ، إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ ، فلا بأس أن تبادل بجاريتك . و « من » : لتأكيد النفي ؛ ليفيد استغراق جنس الأزواج بالتحريم ، وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ أي : حسن الأزواج المتبدلة . وقيل : هي أسماء بنت عميس ، امرأة جعفر بن أبي طالب ، فإنها ممن أعجبه حسنهنّ . وعن عائشة وأم سلمة ، ( ما مات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . حتى أحلّ اللّه له أن يتزوج من النساء ما شاء ) « 1 » ، يعنى أن الآية نسخت إما بالسنّة ، أو : بقوله : إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ . وترتيب النزول ليس على ترتيب
--> ( 1 ) أخرجه ، عن السيدة عائشة ، رضي الله عنها ، أحمد في المسند ( 4 / 41 ) والترمذي في ( التفسير - سورة الأحزاب 5 / 332 ، ح 3216 ) وقال : حديث حسن صحيح . والنسائي في ( النكاح ، باب ما افترض اللّه عز وجل على رسوله صلى اللّه عليه وسلم وحرمه على خلقه ، 6 / 56 ) والدارمي في ( النكاح ، باب قول اللّه تعالى : لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ 2 / 205 ، ح 2241 ) وصححه الحاكم ( 2 / 437 ) ووافقه الذهبي .