ابن عجيبة

443

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « سبق المفرّدون ، قيل : من المفرّدون يا رسول اللّه ؟ قال : المستهترون بذكر اللّه ، يضع الذّكر عنهم أثقالهم ، فيردون يوم القيامة خفافا » « 1 » وسئل صلى اللّه عليه وسلم : أىّ المجاهدين أعظم أجرا ؟ قال : « أكثرهم للّه تبارك وتعالى ذكرا . وقيل : فأي الصالحين أعظم أجرا ؟ قال : أكثرهم للّه تبارك وتعالى ذكرا . ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة ، كل ذلك ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « أكثرهم للّه تبارك وتعالى ذكرا » . فقال أبو بكر لعمر : يا أبا حفص ؛ ذهب الذاكرون بكل خير ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أجل » « 2 » رواه أحمد والطبراني . وقوله تعالى : هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ . . . الآية . قال الورتجبي : صلوات اللّه : اختياره العبد في الأزل لمعرفته ومحبته ، فإذا خصّه بذلك جعل زلاته مغفورة ، وجعل خواص ملائكة مستغفرين له ، لئلا يحتاج إلى الاستغفار بنفسه عن اشتغاله باللّه ومحبته ، وبتلك الصلاة يخرجهم من ظلمات الطبع إلى نور المشاهدة ، وهذا متولد من اصطفائيته الأزلية ورحمته الكافية القدسية . ألا ترى إلى قوله : وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً أي : قبل وجودهم ، حيث أوجدهم ، وهداهم إلى نفسه ، بلا سبب ولا علة . ثم قال عن ابن عطاء : أعظم عطية للمؤمن في الجنة : سلام اللّه عليهم من غير واسطة . ه . وقوله تعالى : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ قال القشيري : التحية إذا قرنت بالرؤية ، واللقاء إذا قرن بالتحية ، لا يكون إلا بمعنى رؤية البصر ، والتحية : خطاب يفاتح بها الملوك ، أخبر عن علوّ شأنهم ، فهذا السلام يدلّ على علو رتبتهم . ه . ولمّا أمر بذكره وتنزيهه ، ذكر شهادته لرسوله ، ليدلّ على اقترانها في صحة الإيمان وكمال الذكر ، فقال : [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 45 إلى 48 ] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ( 45 ) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً ( 46 ) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً ( 47 ) وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً ( 48 )

--> ( 1 ) أخرجه بلفظه الترمذي في : ( الدعوات ، باب : في العفو والعافية 5 / 539 ، ح : 3596 ) ، وبنحوه أخرجه مسلم في ( الذكر والدعاء ، باب الحث على ذكر اللّه تعالى 4 / 2062 ، ح 2676 ) من حديث أبي هريرة رضى اللّه عنه . والمستهترون بذكر اللّه : المولعون بالذكر : المداومون عليه ، لا يبالون ما قيل فيهم ، ولا ما فعل بهم . ( 2 ) أخرجه أحمد ( 3 / 438 ) ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ( 10 / 74 ) : رواه أحمد والطبراني ، وفيه : زبان بن فائد ، وهو ضعيف ، وقد وثّق ، وكذلك ابن لهيعة ، وبقية رجال أحمد ثقات .