ابن عجيبة

439

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ أي : لم يكن أبا رجل منكم حقيقة ، حتى يثبت بينه وبينه ما يثبت بين الأب وولده ؛ من حرمة الصهر والنكاح ، والمراد : من رجالكم البالغين ، وأما أولاده ؛ القاسم ، والطيب ، والطاهر ، فماتوا قبل أن يكونوا رجالا ، وأما الحسن والحسين ، فأحفاد ، لا أولاد . وَلكِنْ كان رَسُولَ اللَّهِ ، وكل رسول أبو أمته ، فيما يرجع إلى وجوب التوقير والتعظيم له عليهم ، ووجوب الشفقة والنصيحة لهم عليه ، لا في سائر الأحكام الثابتة بين الآباء والأبناء . وزيد واحد من رجالكم ، الذين ليسوا بأولاد حقيقة ، فكان حكمه حكمهم . والتبني من باب الاختصاص والتقريب ، لا غير . وَ كان أيضا صلى اللّه عليه وسلم خاتَمَ النَّبِيِّينَ أي : آخرهم الذي ختمهم ، أو : ختموا به على قراءة عاصم . بفتح التاء ، بمعنى : الطابع ، كأنه طبع وختم على مقامات النبوة ، كما يختم على الكتاب لئلا يلحقه شئ . فلا نبي بعده . وعيسى ممّن نبأ قبله ، وحين ينزل ينزل عاملا على شريعته صلى اللّه عليه وسلم ، كأنه بعض أمته . ومن قرأ بكسر التاء ، فمعناه : فاعل الختم ، كما قال - عليه الصلاة والسلام - : « أنا خاتم النبيين فلا نبي بعدي » « 1 » . ويصح أن يكون بمعنى الطابع أيضا ؛ إذ فيه لغات ؛ خاتم - بالفتح والكسر - ، وخاتام ، وخيتام . وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ، فيعلم من يليق بأن يختم به النبوة ، وكيف ينبغي شأنه . الإشارة : كان صلى اللّه عليه وسلم أبا الأرواح حقيقة ؛ إذ الوجود كله ممتد من نوره ، وأبا الأشباح باعتبار أنه السابق نوره . فأول ما ظهر نوره - عليه الصلاة والسلام - ، ومنه امتدت الكائنات ، فهو بذرة الوجود . وسيأتي في قوله : فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ « 2 » تتميم ذلك إن شاء اللّه . ولم يكن أبا باعتبار تولد الصلب ، وهو الذي نفاه اللّه تعالى عنه . ثم حضّ على الذكر ؛ إذ هو سبب التهذيب والتأديب ، فيزجر صاحبه عن الخوض فيما لا يعنى ، فقال : [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 41 إلى 44 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ( 41 ) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ( 42 ) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ( 43 ) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً ( 44 )

--> ( 1 ) أخرجه مطولا أحمد في المسند ( 5 / 278 ) ، وعزاه السيوطي في الدر ( 5 / 386 ) لابن مردويه ، عن ثوبان . وجاء الجزء الأول « أنا خاتم النبيين » في حديث « مثلي ومثل الأنبياء من قبلي . . » الحديث ، أخرج البخاري في ( المناقب ، باب خاتم النبيين ، ح 3535 ) ومسلم في ( الفضائل ، باب ذكر كونه صلى اللّه عليه وسلم خاتم النبيين 4 / 1791 ) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي اللّه عنه . ( 2 ) الآية 81 من سورة الزخرف .