ابن عجيبة
429
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
مخيط الجانبين ، فتظهر صورتها فيه . والجاهلية الأخرى : ما بين عيسى ومحمد - عليهما السلام - أو : الجاهلية الأولى : جاهلية الكفر قبل الإسلام ، والجاهلية الأخرى : جاهلية الفسوق والفجور في الإسلام . وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ ، خصهما بالذكر ؛ تفضيلا لهما ؛ لأن من واظب عليهما جرتاه إلى غيرهما . وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في سائر ما أمركن به ، ونهاكن عنه . إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ أي : يا أهل البيت ، أو : أخص أهل البيت . وفيه دليل على أن نساءه من أهل بيته . قال البيضاوي : وتخصيص أهل البيت بفاطمة وعلى وابنيهما ، لما روى أنه - عليه الصلاة والسلام - خرج ذات غدوة عليه مرط مرحّل « 1 » من شعر أسود ، فجاءت فاطمة ، فأدخلها ، ثم جاء علىّ ، فأدخله فيه ، ثم جاء الحسن والحسين ، فأدخلهما فيه ، فقال : « إنما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت . . . » « 2 » والاحتجاج بذلك على عصمتهم ، وكون اجتماعهم حجة ، ضعيف ؛ لأن التخصيص بهم لا يناسب ما قبل الآية وما بعدها ، والحديث يقتضى أنهم من أهل البيت ، لا أنه ليس غيرهم . ه . وإنما قال : عَنْكُمُ ؛ لأنه أريد الرجال والنساء . والرجس : كل ما يدنس ، من ذنب ، أو عيب ، أو غير ذلك ، وقيل : الشيطان . وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً من نجاسات الآثام والعيوب ، وهو كالتعليل لما قبله ، فإنما أمرهن ، ونهاهن ، ووعظهن ؛ لئلا يقارف أهل البيت ما يدنس ، من المآثم ، وليتصونوا عنها بالتقوى . واستعار للذنب الرجس ، وللتقوى الطهر ؛ لأن عرض المقترف للمستقبحات يتلوث بها كما يتلوث بدنه بالأرجاس وأما من تحصّن منها فعرضه مصون ، نقى كالثوب الطاهر . وفيه تنفير لأولى الألباب عن كل ما يدنس القلوب من الأكدار ، وترغيب لهم في كل ما يطهر القلوب والأسرار ، من الطاعات والأذكار . وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ ؛ القرآن وَالْحِكْمَةِ ؛ السنّة ، أو : بيان معاني القرآن ، أو : ما يتلى عليكن من الكتاب الجامع بين الأمرين . إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً ؛ عالما بغوامض الأشياء . خَبِيراً ؛ عالما بحقائقها ، أو : هو عالم بأقوالكن وأفعالكن ، فاحذرن مخالفة أمره ونهيه ، ومعصية رسوله صلى اللّه عليه وسلم . الإشارة : علّق الحق تعالى شرف نساء النبي صلى اللّه عليه وسلم وتفضيلهن على سبعة أمور ، ويقاس عليهن غيرهن من سائر النساء ، فمن فعل هذه الأمور حاز شرف الدنيا والآخرة . الأول : تقوى اللّه في السر والعلانية ، وهي أساس
--> ( 1 ) المرط : الكساء ، جمعه : « مرط » . انظر : النهاية ( مرط 4 / 319 ) . والمرحّل : الذي نقش فيه تصاوير رحال الإبل . انظر : النهاية ( رحل 2 / 210 ) . ( 2 ) أخرجه مسلم في ( فضائل الصحابة ، باب فضل أهل البيت 4 / 1883 ، ح 2424 ) من حديث السيدة عائشة - رضى اللّه عنها - .