ابن عجيبة

421

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ؛ محمد صلى اللّه عليه وسلم أُسْوَةٌ « 1 » حَسَنَةٌ ؛ خصلة حسنة ، من حقها أن يؤتسى بها ؛ كالثبات في الحرب ، ومقاساة الشدائد ، ومباشرة القتال . أو : في نفسه قدوة يحسن التأسي به . كما تقول : في البيضة عشرون رطلا من حديد ، أي : هي في نفسها عشرون . وفيه لغتان : الضم والكسر ، كالعدوة والعدوة ، والرشوة والرشوة . وهي لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ أي : يخاف اللّه ويخاف اليوم الآخر ، أو : لأجل ثواب اللّه ونعيم اليوم الآخر . و « لمن » : قيل : بدل من ضمير « لكم » ، وفيه ضعف ؛ إذ لا يبدل من ضمير المخاطب إلا ما دل على الإحاطة . وقيل : يتعلق بحسنة ، أي : أسوة حسنة كائنة لمن آمن ، وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً أي : في الخوف والرجاء ، والشدة والرخاء ، فإن المؤتسى بالرسول يكون كذلك . وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قد أقبلوا عليهم ؛ ليستأصلوهم ، وقد وعدهم اللّه أن يسلط عليهم المحن ، ويزلزلوا حتى يستغيثوا ويستنصروا بقوله : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ . . إلى قوله : نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ « 2 » ، فلما جاء الأحزاب واضطربوا ؛ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وعلموا أن الجنة والنصرة قد وجبت لهم . وعن ابن عباس رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لأصحابه : « إنّ الأحزاب سائرون إليكم ؛ في آخر تسع ليال ، أو عشر » ، فلما رأوهم قد أقبلوا للميعاد ، قالوا ذلك « 3 » . و هذا : إشارة إلى الخطب والبلاء ، أي : هذا الخطب الذي وعدنا اللّه ورسوله ، وصدق اللّه ورسوله ، وَما زادَهُمْ ، ما رأوا من اجتماع الأحزاب ومجيئهم ، إِلَّا إِيماناً باللّه وبمواعيده ، وَتَسْلِيماً لقضائه وأقداره . مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ أي : صدقوا فيما عاهدوه ، فحذف الجار ، وأوصل المفعول إلى « ما » ؛ وذلك أن رجالا من الصحابة نذروا أنهم إذا لقوا حربا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثبتوا ، وقاتلوا حتى يستشهدوا ، وهم : عثمان بن عفان ، وطلحة ، وسعيد بن زيد ، وحمزة ، ومصعب ، وأنس بن النضر ، وغيرهم . فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ ؛ نذره ؛ بأن قاتل حتى استشهد ؛ كحمزة ، ومصعب ، وأنس بن النضر . والنّحب : النذر ، واستعير للموت ؛ لأن كل حي من المحدثات لا بد له أن يموت ، فكأنه نذر لازم في رقبته ، فإذا مات ؛ فقد قضى نحبه ، أي : نذره . وقال في الصحاح : النحب : النذر ، ثم قال : والنّحب : المدة والوقت . يقال : قضى فلان نحبه ؛ إذا مات . ه . فهو

--> ( 1 ) قرأ عاصم ( أسوة ) بضم الهمزة ، حيث كان ، وهي لغة قيس وتميم ، وقرأ الباقون بكسرها حيث وقعت . وهي لغة الحجاز . انظر الإتحاف ( 2 / 373 ) . ( 2 ) الآية 214 من سورة البقرة . ( 3 ) قال الحافظ ابن حجر ، في الكافي الشاف ( ص 133 ، رقم 208 ) : لم أجده .