ابن عجيبة

417

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

تنزل الشمس في بروجها ، فكل وقت يبرز فيه ما يقتضى النزول إلى مقامه . فتارة يبرز ما يقتضى التوبة ، وتارة ما يقتضى الخوف والهيبة ، أي : خوف القطيعة ، وتارة ما يقتضى الرجاء والبسط ، وتارة ما يقتضى الشكر ، وتارة الصبر ، وتارة ما يقتضى الرضا والتسليم ، وتارة ما يهيج المحبة أو المراقبة أو المشاهدة . وهكذا ينزل في المقامات ويرحل عنها ، ولا يقيم في شئ منها . ويستأذن بعض المريدين في الرجوع إلى مقامات الإيمان أو الإسلام ، أو شئ من أمور البدايات ، يقولون : إن بيوت تلك المقامات لم نتقنها ، بل فيها عورة وخلل ، وما هي بعورة ، ما يريدون إلا فرارا من ثقل أعباء الحضرة . ولو دخلت بيوت قلوبهم من أقطارها ، ثم سئلوا الرجوع إلى الدنيا لأتوها ؛ لأنها قريبة عهد بتركها ، وما تلبثوا بها إلا زمانا يسيرا ، بل يبغتهم الموت ، ويندمون ، قل متاع الدنيا قليل ، والآخرة خير لمن اتقى . وقد كانوا عاهدوا اللّه ألّا يرجعوا إليها ، كما قال تعالى : [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 15 إلى 17 ] وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلاً ( 15 ) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ( 16 ) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 17 ) يقول الحق جل جلاله : وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ أي : قبل غزوة الخندق ، وهو يوم أحد . والضمير في « كانوا » : لبنى حارثة ، عاهدوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم أحد ، حين فشلوا ، ثم تابوا ألا يعودوا لمثله ، وقالوا : لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ ؛ منهزمين أبدا ، وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا عن الوفاء به ، مجازى عليه ، أو : مطلوبا مقتضى حتى يوفى به . قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ ، فإنه لا بد لكل شخص من حتف أنفه ، أو : قتل في وقت معين سبق القضاء وجرى به القلم ، وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا أي : إن حضر أجلكم له ينفعكم الفرار ، وإن لم يحضر ، وفررتم ، لن تمتعوا في الدنيا إلا زمانا قليلا ، وهو مدة أعماركم ، وهو قليل بالنسبة إلى ما بعد الموت الذي لا انقضاء له . قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ أي : يمنعكم مما أراد اللّه إنزاله بكم ؛ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً في أنفسكم ؛ من قتل أو غيره ، أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً أي : أراد بكم إطالة عمر في عافية وسلامة . أو : من يمنع اللّه