ابن عجيبة
409
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يتوارثون بالهجرة ، ولا يرث الأعرابي المسلم من المهاجر شيئا ، فنزلت . وقال الكلبي : آخى النبىّ صلى اللّه عليه وسلم بين الناس ، فكان يواخى بين الرجلين ، فإذا مات أحدهما ورثه الآخر ، دون عصبته ، حتى نزلت : وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ « 1 » ؛ في حكمه ، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ . ويجوز أن يكون مِنَ الْمُؤْمِنِينَ : بيانا لأولى الأرحام ، أي : وأولو الأرحام ، من هؤلاء ، بعضهم أولى بأن يرث بعضا من الأجانب ، إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً أي : لكن فعلكم إلى أوليائكم معروفا ، وهو أن توصوا لمن أحببتم من هؤلاء بشئ ، فيكون له ذلك بالوصية ، لا بالميراث ؛ فالاستثناء منقطع . وعدّى ( تفعلوا ) بإلى ؛ لأنه في معنى تسندوا ، والمراد بالأولياء : المؤمنون ، والمهاجرون : المتقدمون الذين نسخ ميراثهم . كانَ ذلِكَ أي : التوارث بالأرحام فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً أي : اللوح المحفوظ ، أو : القرآن . وقيل : في التوراة . الإشارة : متابعته - عليه الصلاة والسلام ، والاقتباس من أنواره ، والاهتداء بهديه ، وإيثار محبته ، وأمره على غيره ؛ لا ينقطع عن المريد أبدا ، بداية ونهاية ؛ إذ هو الواسطة العظمى ، وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأرواحهم وأسرارهم . فكل مدد واصل إلى العبد فهو منه صلى اللّه عليه وسلم ، وعلى يده ، وكل ما تأمر به الأشياخ من فعل وترك في تربية المريدين ، فهو جزء من الذي جاء به . وهم في ذلك بحسب النيابة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأنهم خلفاء عنه . وكل كرامة تظهر فهي معجزة له صلى اللّه عليه وسلم ، وكل كشف ومشاهدة فمن نوره صلى اللّه عليه وسلم ، قال ابن العربي الحاتمي رضي اللّه عنه : اعلم أن كل ولىّ للّه تعالى إنما يأخذ ما يأخذ بواسطة روحانية النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فمنهم من يعرف ذلك ، ومنهم من لا يعرفه ، ويقول : قال لي اللّه ، وليس إلا تلك الروحانية . ه . وهو موافق لما أشار إليه الشيخ أبو العباس المرسى رضي اللّه عنه ، حيث قال : الولىّ إنما يكاشف بالمثال ، كما يرى مثلا البدر في الماء بواسطته ، وكذلك الحقائق الغيبية ، والأمور الإشهادية مجلوة وظاهرة في بصيرة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وله عيانا لا مثالا . والولىّ لقربه منه ومناسبته له ؛ لهديه بهديه ، ومتابعته له يكاشف بمثال ذلك فيه ، فظهر الفرق وثبتت مزية النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وانتفى اللبس بين النبوة والولاية . قاله شيخ شيوخنا سيدي « عبد الرحمن العارف » . قال القشيري : النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ الإشارة : تقديم سنّته على هواك ، والوقوف عند إشارته دون ما يتعلق به مناك ، وإيثار من تتوسل به نسبا وسببا على أعزّتك ومن والاك ، وَأُولُوا الْأَرْحامِ . . الآية . ليكن
--> ( 1 ) انظر تفسير ابن كثير ( 3 / 468 ) .