ابن عجيبة
407
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ أي : فهم إخوانكم في الدين ، وأولياؤكم فيه . فقولوا : هذا أخي ، وهذا مولاي ، ويا أخي ، ويا مولاي ، يريد الأخوة في الدين والولاية فيه ، وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ أي : لا إثم عليكم فيما فعلتموه من ذلك ، مخطئين جاهلين ، قبل ورود النهى ، أو بعده ، نسيانا . وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ أي : ولكن الإثم فيما تعمّدتموه بعد النهى . أو : لا إثم عليكم إذا قلتم لولد غيركم : يا بنىّ ، على سبيل الخطأ ، أو : الشفقة ؛ ولكن إذا قلتموه متعمدين على وجه الانتساب . وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ؛ لا يؤاخذكم بالخطأ ، ويقبل التوبة من المتعمّد . الإشارة : العبد إنما له قلب واحد ، إذا أقبل به على مولاه ؛ أدبر عن ما سواه ، وملأه اللّه تعالى بأنواع المعارف والأسرار ، وأشرقت عليه الأنوار ، ودخل حضرة الحليم الغفار ، وإذا أقبل به على الدنيا ؛ أدبر عن اللّه ، وحشى بالأغيار والأكدار ، وأظلمت عليه الأسرار ، وطبع فيه صور الكائنات ، فحجب عن المكوّن ، وكان مأوى للخواطر والوساوس ، فلم يسو عند اللّه جناح بعوضة . قال القشيري : القلب إذا اشتغل بشئ ؛ اشتغل عما سواه ، فالمشتغل بما من العدم ؛ منفصل عمن له القدم ، والمتصل بقلبه بمن نعته القدم ؛ مشتغل عمّا من العدم ، والليل والنهار لا يجتمعان ، والغيب والغير لا يلتقيان . ه . وقوله تعالى : وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ . . . الآية ، يمكن أن تكون الإشارة فيها إلى أنّ من ظاهر الدنيا ، وتباعد عنها ؛ لا يحل له أن يرجع ، ويتخذها أما ؛ في المحبة والخدمة . وقوله تعالى : وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ . . : تشير إلى أنه لا يحل أن يدّعى الفقير حالا ، أو مقاما ، ما لم يتحقق به ، وليس هو له ، أو : ينسب حكمة أو علما رفيعا لنفسه ، وهو لغيره ، ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ . وقوله : فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ . . : إخوان الدين أولى ، وإخوان الطريق أحب وأصفى . قال القشيري : وقرابة الدين ، في الشكلية ، أولى من قرابة النّسب ، وأنشدوا : وقالوا : قريب من أب وعمومة * فقلت : وإخوان الصّفاء الأقارب مناسبهم شكلا وعلما وألفة * وإن باعدتنا في الأصول التّناسب « 1 »
--> ( 1 ) في القشيري : ( وإن باعدتهم في الأصول المناسب ) والبيتان لأبى تمام ، يرثى غالب بن السعدي . انظر ديوانه ( 4 / 41 ) ونهاية الأرب ( 5 / 202 ) .