ابن عجيبة
404
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
أبيرق ، فقالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وعنده عمر بن الخطاب : ارفض ذكر آلهتنا ؛ اللات ، والعزى ، ومناة ، وقل : إن لها شفاعة ومنفعة لمن عبدها ، وندعك وربّك . فشق على النبي صلى اللّه عليه وسلم قولهم ، فقال عمر : ائذن لنا ، يا رسول اللّه ، في قتلهم ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « إني قد أعطيتهم الأمان » . فقال عمر : اخرجوا في لعنة اللّه وغضبه ، فخرجوا من المدينة ، فنزلت « 1 » . أي : اتق اللّه في نقض العهد ، ولا تطع الكافرين من أهل مكة ، كأبى سفيان وأصحابه ، والمنافقين من أهل المدينة ، فيما طلبوا ، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بخبث أعمالهم ، حَكِيماً بتأخير الأمر بقتالهم . وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ في الثبات على التقوى ، وترك طاعة الكافرين والمنافقين . أو : كل ما يوحى إليك من ربك ، إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً أي : لم يزل عالما بأعمالهم وأعمالكم . وقيل : إنما جمع ؛ لأن المراد بقوله : « اتبع » : هو وأصحابه ، وقرأ بالغيب : أبو عمرو ، أي : بما يعمل الكافرون والمنافقون ، من كيدهم لكم ومكرهم . وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ؛ أسند أمرك إليه ، وكله إلى تدبيره . وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا ؛ حافظا موكولا إليه كل أمر . وقال الزجاج : لفظه ، وإن كان لفظ الخبر ؛ فالمعنى : اكتف باللّه وكيلا . الإشارة : أمر بتقوى اللّه ، وبالغيبة عما يشغل عن اللّه ، وبالتوكل على اللّه ، فالتقوى أساس الطريق ، والغيبة عن الشاغل : سبب الوصول إلى عين التحقيق ، والتوكل زاد رفيق . قال القشيري بعد كلام : يا أيها المرقّى إلى أعلى المراتب ، المتلقّى بأسنى القرب والمناقب ؛ اتق اللّه أن تلاحظ غيرا معنا ، أو تساكن شيئا دوننا ، أو تثبت شيئا سوانا ، وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ ؛ إشفاقا منك عليهم ، وطمعا في إيمانهم ، بموافقتهم في شئ مما أرادوه منك . والتقوى رقيب على الأولياء ، تمنعهم ، في أنفاسهم وسكناتهم وحركاتهم ، أن ينظروا إلى غيره ، أو يثبتوا معه سواه ، إلا منصوبا بقدرته ، مصرّفا بمشيئته ، نافذا فيه حكم قضيته . التقوى لجام يمنعك عمّا لا يجوز ، زمام يقودك إلى ما تحب ، سوط يسوقك إلى ما أمر به ، حرز يعصمك من توصل عقابه إليك ، عوذة تشفيك من داء الخطايا . التقوى وسيلة إلى ساحة كرمه ، ذريعة يتوصّل بها إلى عفوه وجوده . وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ . . . ؛ لا تبتدع ، واقتد بما نأمرك ، ولا تقتد ، باختيارك ، غير ما نختار لك ، ولا تعرّج - أي : تقم - في أوطان الكسل ، ولا تجنح إلى ناحية التواني ، وكن لنا لا لك ، وقم بنا لا بك . « وتوكل » ؛ انسلخ عن إهابك لنا ، وأصدق في إيابك إلينا ، وتشاغلك عن حسبانك معنا ، واحذر ذهابك عنا ، ولا تقصّر في خطابك معنا . ويقال : التوكل : تخلّق ، ثم تخلّق ، ثم توثّق ، ثم تملّق ؛ تحقق في العقيدة ، وتخلق بإقامة الشريعة ، وتوثّق بالمقسوم من القضية ، وتملق بين يديه بحسن العبودية . ويقال : التوكل : استواء القلب في العدم والوجود . ه .
--> ( 1 ) ذكره الواحدي في أسباب النزول ( ص 364 ) ، والبغوي في تفسيره ( 6 / 315 ) ، بدون إسناد .