ابن عجيبة

385

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

سورة السّجدة مكية ، وقيل : إلا قوله : أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً « 1 » ، نزلت بالمدينة ، وهي ثلاثون آية ، أو : تسع وعشرون . ومناسبتها لما قبلها : قوله : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ . . . إلى آخر الآيات ، فإنها كالاستدلال على قيام الساعة ، التي خوّف بها في ختم السورة بعد تقرير الرسالة . وقيل : المناسبة : هي ما بعد هذه من تبيين الرسالة ، التي هي مستند ما ذكر قبلها من المعاد ودلائل التوحيد . وعن جابر ؛ أنه صلى اللّه عليه وسلم كان لا ينام حتى يقرأ : ألم السجدة . و تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ، ويقول : « هما مفضلتان على كل سورة من القرآن بسبعين حسنة ، ومن قرأهما كتبت له سبعون حسنة ، ومحى عنه سبعون سيئة » . [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 1 إلى 3 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ألم ( 1 ) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 ) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ( 3 ) قلت : ( تنزيل ) : إما خبر عن ( ألم ) ، إن جعل اسما للسورة ، أو : خبر عن محذوف ، أي : هذا تنزيل . أو : مبتدأ ، خبره : ( لا ريب فيه ) . وعلى الأول ( لا ريب ) : خبر بعد خبر ، و ( من رب العالمين ) : خبر ثالث . أو : خبر عن « تنزيل » ، و ( لا ريب فيه ) : معترض . والضمير في ( فيه ) : راجع إلى مضمون الجملة ، كأنه قيل : لا ريب في ذلك ، أي : كونه منزلا من رب العالمين ، و « أم » : منقطعة بمعنى : « بل » . يقول الحق جل جلاله : ألم ؛ أيها المصطفى المقرب ، هذا الذي تتلوه هو تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ ، لأنه معجز للبشر ، ومثله أبعد شئ عن الريب ، وهو مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ لا محالة . أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ، أي : اختلقه محمد من عنده ، وهو إنكار لقولهم ، وتعجيب منه ؛ لظهور أمره في عجزهم عن الإتيان بسورة منه . قال تعالى : بَلْ هُوَ الْحَقُّ الثابت مِنْ رَبِّكَ ، ولم تفتره ، كما زعموا ؛ تعنتا وجهلا ، أنزله عليك لِتُنْذِرَ قَوْماً أي : العرب ، ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ ، بل طالت عليهم الفترة من زمن إسماعيل وعيسى - عليهما السلام - لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ إلى الصواب من الدين . والترجي مصروف إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، كما كان لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ « 2 » مصروفا إلى موسى وهارون .

--> ( 1 ) الآية 18 . ( 2 ) من الآية 44 من سورة طه .