ابن عجيبة

373

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

عن المنكر سائر عبادات اللسان ، ومنها : الصبر على النوائب ، سواء كانت من جهة الخلق ، أو من قهرية الحق ، وهو ركن في الطريق . وتقدم تفصيله في آخر النحل « 1 » . ومنها : التواضع والليونة ، وهما مصيدة الشرف ، ومن شأن أهل السياسة . ومن تواضع دون قدره رفعه اللّه فوق قدره . وهو قوله : وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً . ومنها : السكينة والوقار والرزانة ، وهي نتيجة عمارة القلب بالهيبة والإجلال . وهو قوله : وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ . ومنها : خفض الصوت في سائر الكلام ، وهو من علامة وجدان هيبة الحضرة ، والقرب من الحق ، قال تعالى : وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً « 2 » ، وهو من آكد الآداب مع الأشياخ والفقراء . قال القشيري : قوله تعالى : وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ . . ، الأمر بالمعروف يكون بالقول ، وأبلغه : أن تمنع نفسك عما تنهى عنه ، واشتغالك ، واتصاف نفسك ، بما تأمر به غيرك ، ومن لا حكم له على نفسه ؛ لا حكم له على غيره . والمعروف الذي يجب الأمر به : ما يوصّل العبد إلى مولاه ، والمنكر الذي يجب النهى عنه : ما يشغل العبد عن اللّه . ثم قال : وقوله تعالى : وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ : تنبيه على أنّ من قام للّه بحقّ امتحن في اللّه ، فسبيله أن يصبر في اللّه ، فإنّ من صبر للّه لم يخسر على اللّه . ثم قال : قوله تعالى : وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ؛ لا تتكبر عليهم ، وطالعهم من حيث النسبة ، وتحقق بأنك بمشهد من مولاك . ومن علم أن مولاه ينظر إليه ؛ لا يتكبر ولا يتطاول ، بل يتخاضع ويتضاءل . قوله تعالى : وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ . . الآية ، أي : كن فانيا عن شواهدك ، مصطلما عن صولتك ، مأخوذا عن حولك وقوتك ، متشبها بما استولى عليك من كشوفات سرّك . وانظر من الذي يسمع صوتك حتى تستفيق من خمار غفلتك ، إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ : في الإشارة : أنه الذي يتكلم بلسان المعرفة بغير إذن من الحق . وقالوا : هو الصوفي يتكلم قبل أوانه . ه . أي : يتكلم على الناس ، قبل أن يأذن له شيخه في التذكير . وباللّه التوفيق . ثم ذكّر بالنعم ، فقال : [ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 20 إلى 21 ] أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ ( 20 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ ( 21 )

--> ( 1 ) راجع إشارة الآيات : 126 - 128 من سورة النحل . ( 2 ) الآية 108 من سورة طه .