ابن عجيبة

371

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : الضمير في ( إنها ) : للقصة ، ومن قرأ « مثقال » : بالرفع ؛ ففاعل كان التامة ، ومن قرأ بالنصب ؛ فخبرها ، والضمير : للخطيئة أو الهيئة . وأنث « المثقال » ؛ لإضافته إلى الحبة . يقول الحق جل جلاله : وقال لقمان لابنه ، حين قال له : يا أبت : إن عملت بالخطيئة ، حين لا يراني أحد ، كيف يعلمها اللّه ؟ فقال : يا بُنَيَّ إِنَّها ، أي : القصة أو الخطيئة إِنْ تَكُ مِثْقالَ « 1 » حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أي : إن تك المعصية ؛ في الصغر والحقارة ، مثقال حبّة من خردل ، أو : إن تقع مثال حبّه من المعاصي فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ ، أي : فتكن ، مع صغرها ، في أخفى مكان ، أو في جبل . وقال ابن عباس : هي صخرة تحت الأرضين السبع ، وهي التي يكتب فيها أعمال الفجار ، وخضرة الماء منها . ه . قال السدى : خلق اللّه تعالى الأرض على حوت ، والحوت في الماء ، والماء على ظهر صفاة - أي : صخرة - والصفاة على ظهر ملك ، والملك على صخرة . وهي الصخرة التي ذكر لقمان . ليست في السماء ولا في الأرض ، والصخرة على الريح « 2 » . ه . أي : إن تقع المعصية في أخفى مكان يَأْتِ بِهَا اللَّهُ يوم القيامة ؛ فيحاسب عليها عاملها . إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ : يتوصل علمه إلى كل خفى ، خَبِيرٌ : عالم بكنهه ، أو : لطيف باستخراجها خبير بمستقرها . يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ : أتقنها ، وحافظ عليها ؛ تكميلا لنفسك ، وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ ؛ تكميلا لغيرك ، وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ في ذات اللّه تعالى ، إذا أمرت بالمعروف ، ونهيت عن المنكر ؛ فإن من فعل ذلك تعرض للأذى ، أو : على ما أصابك من الشدائد والمحن ؛ فإنها تورث المنح والمنن . إِنَّ ذلِكَ ؛ الذي وصيتك به ، مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ أي : مما عزمه اللّه من الأمور ، أي : قطعه قطع إيجاب وإلزام ، أي : أمر به أمرا حتما . وهو مصدر بمعنى المفعول ، أي : من معزومات الأمور ، أي : مقطوعاتها ومفروضاتها . وفيه دليل على أن هذه الطاعات كانت مأمورا بها في سائر الأمم . وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ أي : تمله عنهم ، ولا تولهم صفحة خدك ، كما يفعله المتكبرون . والتصعير : داء يصيب العير ، فيلوى عنقه منه . والمعنى : أقبل على الناس بوجهك ؛ تواضعا ، ولا تولهم شق وجهك وصفحته ؛ تكبرا .

--> ( 1 ) قرأ نافع : « مثقال » ؛ بالرفع ، على أن « تك » تامة . وقرأ الباقون : بالنصب ؛ على أن « تك » ناقصة ، واسمها ضمير يفهم من سياق الكلام ، وتقديره : « هي » . انظر : البحر المحيط ( 7 / 182 ) . ( 2 ) انظر : تفسير البغوي ( 6 / 288 - 289 ) ، والبحر المحيط ( 7 / 187 ) . قلت : كل هذه أقوال لا علاقة لها بالآية ، ولا يصح تفسير الآية بها . وعلم الفلك الحديث ، وعلم الفضاء ، وجميع حقائقه القطعية تبرهن على أن الأرض جرم ، وكوكب يسبح في الفضاء ، وليس على حوت ولا على صخرة . والذي نرجحه : أن هذه الأوهام غير صحيحة السند إلى هؤلاء السادة العلماء .