ابن عجيبة

364

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

[ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 8 إلى 9 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ ( 8 ) خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 9 ) يقول الحق جل جلاله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ ، قيل : معكوس ، أي : لهم نعيم الجنات ، أو : لهم بساتين ، أو : ديار النعيم . خالِدِينَ فِيها : حال من ضمير « لهم » . والعامل : الاستقرار . وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا أي : وعدهم ذلك وعدا ، وثبت لهم حقا مهما ، مصدران مؤكدان ، الأول لنفسه ، والثاني لغيره ، إذ قوله : لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ ؛ في معنى : وعدهم اللّه جنات النعيم . و حَقًّا : يدل على معنى الثبات المفهوم من انجاز الوعد . وَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب ، الذي لا يعارض في حكمه ، فينفذ وعده لا محالة . الْحَكِيمُ الذي لا يفعل إلا ما استدعته حكمته . الإشارة : إن الذين آمنوا في البواطن ، وحققوا ذلك بالعمل الصالح في الظواهر ، لهم جنات المعارف معجلة ، وجنات الزخارف مؤجلة ، وعدا حقا وقولا صدقا ، فما كمن في السرائر ظهر في شهادة الظواهر ، وإلا كان دعوى ونفاقا ، والعياذ باللّه . ثم ذكر شواهد قدرته على إنجاز وعده ، فقال : [ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 10 إلى 11 ] خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ( 10 ) هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 11 ) قلت : « بغير عمد » : يتعلق بحال محذوفه ، أي : ممسكة أو مرفوعة بغير عمد ، و ( عمد ) : اسم جمع على المشهور ، وقيل : جمع عماد أو عامد . وجملة ( ترونها ) : إما استئنافية ، لا محل لها ، أو صفة لعمد . يقول الحق جل جلاله : خَلَقَ السَّماواتِ ورفعها بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ، الضمير : إما للسموات ، أي : خلقها ، ظاهرة ، ترونها ، أو لعمد ، أي : بغير عمد مرئية ، بل بعمد خفية ، وهي إمساكها بقدرته تعالى . وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أي : جبالا ثوابت ، كراهة أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ أي : لئلا تضطرب بكم ، وَبَثَّ : نشر فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ ، وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ؛ صنف من أصناف النبات ،