ابن عجيبة
354
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ أي : عمي القلوب . وقرأ حمزة : « وما أنت تهدى العمى » ، عَنْ ضَلالَتِهِمْ أي : لا تقدر أن تهدى الأعمى عن طريقه إذا ضلّ عنه ، بالإشارة إليه ، إِنْ ؛ ما تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ ؛ منقادون لأوامر اللّه ونواهيه . الإشارة : من أصول طريقة التصوف : الرجوع إلى اللّه في السراء والضراء ، فالرجوع في السراء : بالحمد والشكر ، وفي الضراء : بالرضا والصبر . قال القشيري : فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى . . إلخ : من فقد الحياة الأصلية ؛ لم يعش بالرّقى والتمائم ، وإذا كان في السريرة طرش عن سماء الحقائق ، فسمع الظواهر لا يفيد إلا تأكيد الحجّة ، وكما لم يسمع الصّم الدعاء ، فكذلك لا يمكنه أن يهدى العمى عن ضلالتهم . ه . ولما ذكر شيئا من دلائل الأكوان ، ذكر شيئا من دلائل الأنفس ، فقال : [ سورة الروم ( 30 ) : آية 54 ] اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ( 54 ) قلت : « اللّه » : مبتدأ ، والموصول : خبره . يقول الحق جل جلاله : اللَّهُ الذي يستحق أن يعبد وحده هو الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ أي : ابتدأكم ضعفاء ، وجعل الضعف أساس أمركم ، أو : خلقكم من أصل ضعيف ، وهو النطفة ؛ كقوله : أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ « 1 » ، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ، يعنى : حال الشباب إلى بلوغ الأشد ، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً ، يعنى : حال الشيخوخة والهرم . وقد ورد في الشيب ما يسلى عن روعة هجومه ، فمن ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من شاب شيبة في الإسلام ؛ كانت له نورا يوم القيامة » « 2 » ، ولما رأى إبراهيم عليه السّلام الشيب في لحيته قال : يا رب ، ما هذا ؟ قال : هذا وقار . وأوحى اللّه تعالى إلى داود عليه السّلام : « يا داود ، إني لأنظر الشيخ الكبير ، مساء وصباحا ، فأقول له : عبدي ، كبر سنّك ، ورق جلدك ، ووهن عظمك ، وحان قدومك علىّ ، فاستحي منى ، فإني أستحيى أن أعذب شيبة بالنار » . ومن المستلحات ،
--> ( 1 ) الآية 20 من سورة المرسلات . ( 2 ) أخرجه الترمذي في ( فضائل الجهاد ، باب ما جاء في فضل من شاب شيبة في سبيل اللّه ، ح 1635 ) وأخرجه ، مطولا ، النسائي في ( الجهاد ، باب من رمى بسهم في سبيل اله عز وجل 6 / 26 ) من حديث عمرو بن عبسة .