ابن عجيبة
342
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً ؛ حجّة على عبادة أصنامهم ، فَهُوَ يَتَكَلَّمُ ، وتكلمه مجاز ، كما تقول : كتابه ناطق بكذا ، وهذا مما نطق به القرآن ، ومعناه : الشهادة ، كأنه قال : يشهد بصحة ما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ، فما : مصدرية ، أي : بصحة كونهم باللّه يشركون ، أو : موصولة ، أي : بالأمر الذي بسببه يشركون . وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً أي : نعمة ؛ من مطر ، أو : سعة رزق ، أو : صحة ، فَرِحُوا بِها فرح بطر وافتخار وغفلة . وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ؛ بلاء ؛ من جدب ، أو ضيق ، أو مرض ، بِما ؛ بسبب ما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من المعاصي ، أي : بشؤمها ، إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ ؛ ييأسون من رحمة اللّه ، وفرجه بعد عسره . يقال : قنط يقنط ، كفرح يفرح ، وكعلم . الإشارة : الواجب على المؤمنين أن يتخلقوا بضد ما تخلق به الكافرون ؛ فإذا مسهم ضر أو شدة ، توجهوا إلى اللّه ، إما بالتضرع والابتهال ؛ عبودية ، منتظرين ما يفعل اللّه ، وإما بالصبر ، والرضا ، والسكون تحت مجارى الاقدار . فإذا جاء الفرج والنعمة ؛ شكروا اللّه وحمدوه ، ونسبوا الفرج إليه وحده ، فإن كان وقع منهم سبب شرعي ؛ لم يلتفتوا إليه قط ؛ إذ لا تأثير له أصلا ، وإنما الفرج عنده لا به ، فلا يقولوا : فلان ولا فلانة ، وإنما الفاعل هو اللّه الواحد القهار . وهذا الشرك الخفي مما ابتلى به كثير من الناس ، علماء وصالحين ، وخصوصا منهم من يتعاطى كتب الفلسفة ، كالأطباء وغيرهم ، إذا أصابهم شئ فزعوا ، فإذا فرّج عنهم ؛ قالوا : فلان داوانا ، وفلان فرّج عنا ، والدواء الفلاني هو شفاني ، فتعالى اللّه عما يشركون . فليشدّ العبد يده على التوحيد ، ولا يرى في الوجود إلا الفرد الصمد ، الفعّال لما يريد . ومن أوصاف أهل الغفلة : أنهم ، إذا أصابتهم نعمة ، فرحوا وافتخروا بها ، وإذا أصابتهم شدة قنطوا وأيسوا من روح اللّه ، والواجب : ألا يفرح بما هو عارض فإن ، ولا ييأس من روح اللّه عند الشدة ، بل ينتظر من اللّه الفرج ، فإنّ مع العسر يسرا ، إن مع العسر يسرا . قال تعالى : ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ، لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ . . « 1 » الآية . وباللّه التوفيق . ثم برهن على توالى النعم والمحن على العبد ، ما دام في دار الدنيا ، فقال :
--> ( 1 ) الآيتان : 22 - 23 من سورة الحديد .