ابن عجيبة
34
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
له حاجة إلى التوبة . وظاهر الآية : أن العصيان لا ينافي الإيمان ، فبادروا بالتوبة لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ؛ تفوزون بسعادة الدارين . وباللّه التوفيق . الإشارة : التوبة أساس الطريق ، ومنها السير إلى عين التحقيق ، فمن لا توبة له لا سير له ، كمن يبنى على غير أساس . والتوبة يحتاج إليها المبتدئ والمتوسط والمنتهى ، فتوبة المبتدئ من المعاصي والذنوب ، وتوبة السائر : من الغفلة ولوث العيوب ، وتوبة المنتهى : من النظر إلى سوى علام الغيوب . قال ابن جزي : التوبة واجبة على كل مكلف ، بدليل الكتاب والسنة وإجماع الأمة . وفرائضها ثلاثة : الندم على الذنب ؛ من حيث عصي به ذو الجلال ، لا من حيث أضر ببدن أو مال . والإقلاع عن الذنب في أول أوقات الإمكان ، من غير تأخير ولا توان ، والعزم ألا يعود إليها أبدا . ومهما قضى اللّه عليه بالعود ، أحدث عزما مجدّدا . وآدابها ثلاث : الاعتراف بالذنب ، مقرونا بالانكسار ، والإكثار من التضرع والاستغفار ، والإكثار من الحسنات لمحو ما تقدم من الأوزار . ومراتبها سبع : فتوبة الكفار من الكفر ، وتوبة المخلّطين من الذنوب الكبائر ، وتوبة العدول من الصغائر ، وتوبة العابدين من الفترات ، وتوبة السالكين من علل القلوب والآفات ، وتوبة أهل الورع من الشبهات ، وتوبة أهل المشاهدة من الغفلات . والبواعث على التوبة سبعة : خوف العقاب ، ورجاء الثواب ، والخجل من الحساب ، ومحبة الحبيب ، ومراقبة الرقيب ، وتعظيم المقام ، وشكر الإنعام . ه . ثم أمر بالنكاح ؛ لأنه أغض للبصر ، فقال : [ سورة النور ( 24 ) : آية 32 ] وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 32 ) قلت : الأيامى : جمع أيّم ، وأصله : أيايم ، فقلبت الياء ؛ لآخر الكلمة ، ثم قبلت ألفا ، فصارت أيامى . والأيم : من لا زوج له من الرجال والنساء . يقول الحق جل جلاله : وَأَنْكِحُوا أي : زوّجوا الْأَيامى مِنْكُمْ أي : من لا زوج له من الرجال والنساء ، بكرا كان أو ثيبا . والمعنى : زوجوا من لا زوج له من الأحرار والحرائر . والخطاب للأولياء والحكام ، أمرهم بتزويج الأيامى ، فاقتضى ذلك النهى عن عضلهن . وفي الآية دليل عدم استقلال المرأة بالنكاح ، واشتراط الولي فيه ، وهو مذهب مالك والشافعي ، خلافا لأبى حنيفة .