ابن عجيبة

339

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : ( حنيفا ) : حال من ( الدين ) ، أو : من الأمور ، وهو ضمير ( أقم ) ، و ( فطرة ) : منصوب على الإغراء . يقول الحق جل جلاله ، لنبيه صلى اللّه عليه وسلم ، أو : لكل سامع : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ أي : قوّم وجهك له ، غير ملتفت عنه ؛ يمينا ولا شمالا . وهو تمثيل لإقباله على الدين بكلّيته ، واستقامته عليه ، واهتمامه بأسبابه ؛ فإنّ من اهتم بالشيء توجه إليه بوجهه ، وسدّد إليه نظره ، حَنِيفاً ؛ أي : مائلا عن كل ما سواه من الأديان ، فِطْرَتَ اللَّهِ ؛ أي : الزموا فطرة اللّه . والفطرة : الخلقة : ألا ترى إلى قوله : لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ؟ فالأرواح ، حين تركيبها في الأشباح ، كانت قابلة للتوحيد ، مهيّأة له ، بل عالمة به ؛ بدليل إقرارها به في عالم الذر ، حتى لو تركوا لما اختاروا عليه دينا آخر ، ومن غوى فإنما غوى منهم بإغواء شياطين الإنس والجن . وفي حديث قدسي : « كلّ عبادي خلقت حنيفا ، فاجتالتهم الشّياطين عن دينهم ، وأمروهم أن يشركوا بي غيرى » « 1 » ، وفي الصحيح : « كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهوّدانه أو ينصرّانه أو يمجّسانه » « 2 » قال الزجّاج : معناه : أن اللّه تعالى فطر الخلق على الإيمان به ، على ما جاء في الحديث : « إن اللّه عز وجل أخرج من صلب آدم ذريته كالذرّ ، وأشهدهم على أنفسهم بأنه خالقهم ، فقالوا : بلى » « 3 » ، وكل مولود فهو من تلك الذرية التي شهدت بأن اللّه تعالى ربّها وخالقها . ه . قال ابن عطية : الذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة : أنها الخلقة والهيئة في نفس الطفل ، التي هي مهيئة لمعرفة اللّه والإيمان به ، الذي على الإعداد له فطر البشر ، لكن تعرض لهم العوارض ؛ على حسب ما جرى به القدر ، ولا يلزم من الإعداد وجعله على حالة قابلة للتوحيد ألا يساعده القدر ، كما في قوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 4 » ، أي : خلقهم معدين لذلك ، فأمر من ساعده القدر ، وصرف عن ذلك من لم يوفّق لما خلق له . ه . فقوله في الحديث : « كلّ مولود يولد على الفطرة » أي : على القابلية والصلاحية للتوحيد ، ثم منهم من يتمحض لذلك ، كما سبق في القدر ، ومنهم من لم يوفق لذلك ، بل يخذل ويصرف عنه ؛ لما سبق عليه من الشقاء . وقال في المشارق : أي : يخلق سالما من الكفر ، متهيئا لقبول الصلاح والهدى ، ثم أبواه يحملانه ، بعد ، على ما سبق له في الكتاب . ه . قال ابن عطية : وذكر الأبوين إنما هو مثال للعوارض التي هي كثيرة . ثم قال : وقد فطر اللّه

--> ( 1 ) أخرجه بنحوه ، مطولا ، مسلم في ( الجنة وصفه نعيمها ، باب الصفات التي يعرف بها ، في الدنيا ، أهل الجنة وأهل النار 4 / 2197 ، ح 2865 ) من حديث عياض المجاشعي . ولفظه : « إني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم . الحديث . ( 2 ) أخرجه البخاري في ( القدر ، باب اللّه أعلم بما كانوا عاملين ح 6599 ) ، ومسلم في ( القدر ، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة ، 4 / 2047 ، ح 2658 ) بزيادة في آخره ، من حديث أبي هريرة - رضى اللّه عنه . ( 3 ) أخرجه أحمد في المسند ( 1 / 272 ) وقال في مجمع الزوائد ( 7 / 25 ) : رواه أحمد ، ورجاله رجال الصحيح . ( 4 ) الآية 56 من سورة الذاريات .