ابن عجيبة

332

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

شتّان بين عبد : صباحه مفتتح بعبادته ، ومساؤه مختتم بطاعته ، وبين عبد : صباحه مفتتح بمشاهدته ، ورواحه مختتم بعزيز رؤيته . قلت : الأول من عامة الأبرار ، والثاني من خاصة العارفين الكبار ، وبقي مقام الغافلين ، وهو : من كان صباحه مفتتح بهم نفسه ، ومساؤه مختتم برؤية حسه ، ثم ذكر احتمال الصلوات الخمس في الآية ، كما تقدم - ثم قال : وأراد الحق من أوليائه أن يجددوا العبودية في اليوم والليلة خمس مرات ، فيقف على بساط المناجاة ، ويستدرك ما فاته بين الصلاتين من صوارف الزلات . ه . وقوله تعالى : يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ يخرج الذاكر من الغافل ، والغافل من الذاكر ، والعارف من الجاهل ، والجاهل من العارف ، ويحيى أرض النفوس باليقظة والمعرفة ، بعد موتها بالغفلة والجهل ، وكذلك تخرجون من قبوركم على مامتم عليه ، من معرفة أو جهل ، من يقظة أو غفلة ، يموت المرء على ما عاش عليه ، ويبعث على ما مات عليه . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر دلائل البعث والخروج ، فقال : [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 20 إلى 21 ] وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ( 20 ) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 21 ) يقول الحق جل جلاله : وَمِنْ آياتِهِ الدالة على قدرته ، الشاملة للبعث وغيره ، أو : ومن علامات ربوبيته : أَنْ خَلَقَكُمْ أي : أباكم مِنْ تُرابٍ ؛ لأن أصل الإنشاء منه ، ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ أي : ثم فاجأتم وقت كونكم بشرا منتشرين في الأرض ، آدم وذريته . وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها ؛ لأن حواء خلقت من ضلع آدم ، والنساء بعدها خلقن من أصلاب الرجال . أو : من شكل أنفسكم وجنسها ، لا من جنس آخر ، وذلك لما بين الاثنين - إذ كانا من جنس واحد - من الألفة والمودة والسكون ، وما بين الجنسين المختلفين من التنافر . ويقال سكن إليه : إذا مال إليه . وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً أي : جعل بينكم التوادد والتراحم بسبب الزواج . وعن الحسن : المودة كناية عن الجماع ، والرحمة هي الولد . وقيل : المودّة للشابة الجميلة ، والرحمة للعجوز ، وقيل : المودة والرحمة من اللّه ، والفرك من الشيطان - أي : البغض من الجانبين . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ؛ فيعلمون ما في ذلك من الحكم ، وأن قوام الدنيا بوجود التناسل .