ابن عجيبة
328
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
إذ مدار أمرها على التبسّط في البلاد ، والتسلط على العباد ، والتصرف في أقطار الأرض بأنواع العمارة ، وهم ضعفاء ملجأون إلى واد لا نفع فيه . قال البيضاوي . وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ؛ بالمعجزات الواضحات ، فلم يؤمنوا ؛ فأهلكوا ، فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ؛ بأن دمرهم بلا سبب ، أو : من غير إعذار ، وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ؛ حيث ارتكبوا ما أدى إلى تدميرهم . ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا بالكفر والمعاصي السُّواى أي : العقوبة السوأى ، والأصل : ثم كان عاقبتهم ، فوضع الظاهر موضع المضمر ؛ للدلالة على ما اقتضى أن تكون تلك عاقبتهم ، وهو إساءتهم . والمعنى : أنهم عوقبوا في الدنيا بالدمار ، ثم كان عاقبتهم في الآخرة العقوبة التي هي أسوأ العقوبات ، وهي النار التي أعدت للكافرين . لأجل أَنْ كَذَّبُوا أو : بأن كذّبوا بِآياتِ اللَّهِ الدالة على صدق رسله ، أو : على وحدانيته . وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ ؛ حيث قابلوها بالتكذيب ، أو : غفلوا عن التفكر فيها . أو : ثم كان عاقبة الذين اقترفوا الخطيئة السّوآء أن طبع اللّه على قلوبهم ، حتى كذّبوا بالآيات ، واستهزءوا بها . أو : ثم كان عاقبة الذين فعلوا الفعلة السوأى ، وهو أن كذّبوا واستهزءوا ، أن يلحقهم ما تعجز عنه نطاق العبارة ، فخبر كان ، على هذا : محذوف ؛ للتهويل . و ( أن كذبوا ) : بيان ، أو : بدل من السوأى . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : السير إلى اللّه على أقسام : سير النفوس : بإقامة عبادة الجوارح ؛ لطلب الأجور ، وسير القلوب : بجولانها في ميادين الأغيار ، للتبصر والاعتبار ؛ طلبا للحضور ، وسير الأرواح : بجولان الفكرة في ميادين الأنوار ؛ طلبا لرفع الستور ودوام الحضور ، وسير الأسرار : الترقي في أسرار الجبروت ، بعد التمكن من شهود أنوار الملكوت على سبيل الدوام . قال القشيري : سير النفوس في أوطان الأرض ومناكبها لأداء العبادات ، وسير القلوب بجولان الفكر في جميع المخلوقات ، وغايته : الظّفر بحقائق العلوم التي توجب ثلج الصدور - ثم تلك العلوم على درجات - وسير الأرواح في ميادين الغيب : بنعت خرق سرادقات الملكوت . وقصاراه : الوصول إلى ساحل الشهود ، واستيلاء سلطان الحقيقة . وسير الأسرار : بالترقي - أي : الغيبة - عن الحدثان بأسرها ، والتحقق ، أولا ، بالصفات ، ثم بالخمود ، بالكلية ، عمّا سوى الحق . ه . وقال في قوله : ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى : من زرع الشوك لم يحصد الورد ، ومن استنبت الحشيش لم يقطف البهار ، ومن سلك سبيل الغىّ لم يحلل بساحة الرشد . ه . ثم ذكر شأن البعث الذي هو عاقبة المسئ والمحسن : فقال : [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 11 إلى 16 ] اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 11 ) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ ( 12 ) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ ( 13 ) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ( 14 ) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ( 15 ) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ ( 16 )