ابن عجيبة
326
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
فأهل الدنيا في غفلة عن الآخرة ، والمشتغلون بعلم الآخرة ، هم بوجودها ، في غفلة عن اللّه . ه . قلت : وأهل المعرفة باللّه لم يشغلهم عنه دنيا ولا آخرة . واللّه تعالى أعلم . ثم أمر بالتفكر ، فقال : [ سورة الروم ( 30 ) : آية 8 ] أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ ( 8 ) قلت : « في أنفسهم » : يحتمل أن يكون ظرفا ، أي : أو لم يحدثوا التفكر فيها ، وأن تكون صلة للتفكر ، نحو : تفكر في الأمر : أجال فيه فكره . والأول أظهر . يقول الحق جل جلاله : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ أي : أو لم يثبتوا التفكر في أنفسهم ، أي : في قلوبهم الفارغة ، فيتفكروا بها في مصنوعات اللّه ، حتى يعلموا أنها ما خلقت عبثا ، والتفكر لا يكون إلا في القلوب ، ولكن زيادة تصوير لحال المتفكرين ، كقوله : اعتقده في قلبك . أو : أو لم يتفكروا في أنفسهم ، التي هي أقرب إليهم من غيرها ، وهم أعلم بأحوالها ، فيتدبروا ما أودعها اللّه تعالى ، ظاهرا وباطنا ، من غرائب الحكمة الدالة على التدبير من الحكيم القديم ، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى وقت تجازى فيه ، على الإحسان إحسانا ، وعلى الإساءة مثلها ، حتى يعلموا ، عند ذلك ، أن سائر الخلائق مثلها ، وأنه لا بدّ لهم من الانتهاء إلى ذلك الوقت ، فيعلموا أن ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى أي : ما خلقها باطلا وعبثا من غير حكمة ، ولا لتبقى خالدة ، وإنما خلقها مقرونة بالحق ، مصحوبة بالحكمة البالغة ، وتنتهى إلى أجل مسمى ، وهو قيام الساعة ، ووقت الحساب ، بالثواب والعقاب ، فيخرب هذا العالم ، ويقوم عالم آخر ، لا انتهاء لوجوده . قال في الحاشية الفاسية : وبالجملة : فخلق السماوات والأرض ؛ للدلالة على التوحيد بوجودهما ، وعلى الآخرة بفنائهما ، وانقضاء أجلهما . ثم قال : والحاصل أن خلقه بمقتضى الحكمة يقتضى جزاء أوليائه ، وتعذيب أعدائه . وقد نصب تعالى القلب شاهدا ومنزلا منزلة الآخرة ، والقالب منزلة الدنيا ، وكما أن عمل القالب يعود نفعه ، إذا فعل الطاعة ، على القلب ؛ بالتنوير والتقريب لحضرة الربوبية ، ويعود ضرره عليه ، إذا فعل ضد ذلك ، كما يعرفه أهل القلوب ، وأنه مزرعة للقلب ، ولا بقاء له ، وإنما خلق لقضاء ذلك ، فكذلك الدنيا مزرعة للآخرة ، وإنما خلقت لذلك ، كما يعرفه أهل القلوب والبصائر الصافية السالمة ، فاعتبر ذلك . ه .