ابن عجيبة

319

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الثانية واوا . ولم يقل : لهى الحياة ؛ لما في بناء فعلان من معنى الحركة والاضطراب . وفي المصباح : الحيوان : مبالغة في الحياة ، كما قيل : للموت الكثير : موتان . ه . لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ حقيقة الدارين ؛ لما اختاروا اللهو الفاني على الحيوان الباقي . فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ ، هو مرتب على محذوف ، دل عليه ما وصفهم به قبل ، والتقدير : هم على ما هم عليه من الشرك والعناد ، وإذا ركبوا في الفلك دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ، أي : كائنين في صورة من يخلص الدين للّه من المؤمنين ، حيث لا يذكرون إلا اللّه ، ولا يدعون معه إلها آخر ، فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ ، وأمنوا من الغرق ، إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ ، أي : عادوا إلى حال الشرك ، لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ من النعمة ، وَلِيَتَمَتَّعُوا باجتماعهم على عبادة الأصنام وتوادهم عليها . واللام فيهما : إما لام كي ، أي : يعودون إلى شركهم ؛ ليكونوا به كافرين بنعمة النجاة ، قاصدين التمتع بها والتلذذ ، لا غير ، على خلاف عادة المؤمنين المخلصين ، فإنهم يشكرون نعمة اللّه إذا أنجاهم ، ويجعلون نعمة النجاة ذريعة إلى توحيده وطاعته ، لا إلى التلذذ والتمتع . أو : لام الأمر ، على وجه التهديد ، كقوله : فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ « 1 » ، ويقويه : قراءة من سكّن الثانية « 2 » ، أي : ليكفروا وليتمتعوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ تدبيرهم عند تدميرهم . الإشارة : الدنيا عند أهل الجد والاجتهاد جد ، يتوصلون فيها إلى معرفة الحق ، ويترقون منها إلى أسرار ومعارف لا يحصرها عقل ؛ ولا يحيط بها نقل ، لأن في هذه الدار : عرفه من عرفه ، وجهله من جهله . والترقي عند العارفين فيها أكثر ؛ لأنه يسير بين جلاله وجماله ، وهناك ليس إلا الجمال ، والترقي بين الضدين أعظم ، فإذا مات بقي يترقى في أنوار الجمال على قدر ما أدرك هنا . واللّه أعلم . فتحصل أن الدنيا في حق أهل الغفلة لعب ولهو ؛ لأنها شغلتهم وغرتهم بزخارفها عن معرفة اللّه والوصول إليه ، ولذلك حذّر منها صلى اللّه عليه وسلم ، فقد قال في بعض خطبه : « أيها الناس ، لا تكونوا ممن خدعته العاجلة ، وغرته الأمنية ، واستهوته الخدعة ، فركن إلى دار سريعة الزوال ، وشيكة الانتقال ؛ إذ لن يبقى من دنياكم هذه في جنب ما مضى إلا كإناخة راكب ، أو درّ حالب ، فعلام تعرجون ؟ وما تنتظرون ؟ فكأنكم ، واللّه ، بما قد أصبحتم فيه من الدنيا ، كأن لم يكن ، وما تصيرون إليه من الآخرة ، لم يزل ، فخذوا في الأهبة لأزوف النقلة ، وأعدوا الزاد لقرب الرحلة ، واعلموا أن كل امرئ على ما قدّم قادم ، وعلى ما خلّف نادم » . وفي حق أهل الجد جد وحق ؛ لأنها مزرعة للآخرة ، ومتجر من أسواق اللّه ، فيها ربحهم وغنيمتهم . وباللّه التوفيق .

--> ( 1 ) من الآية 29 من سورة الكهف . ( 2 ) قرأ قالون وابن كثير وحمزة والكسائي ( وليتمتعوا ) بسكون اللام ، على أنها للأمر ، وقرأ الباقون بكسرها ، إما للأمر ، أو لام كي ، والأصل في كل الكسر . انظر الإتحاف ( 2 / 353 ) والبحر المحيط ( 7 / 155 ) .