ابن عجيبة

316

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يجاوز مفعولا واحدا . والوجه في تعديته إلى ضمير المؤمنين وإلى الغرف : إما إجراؤه مجرى « لننزلنهم » ، أو : بحذف الجار ، وإيصال الفعل ، أو : شبه الظرف المؤقت ، بالمبهم ، أي : لنقيمنهم في غرف تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ أجرهم هذا . وهم الَّذِينَ صَبَرُوا على مفارقة الأوطان وأذى المشركين ، وعلى المحن والمصائب ، ومشاق الطاعات ، وترك المحرمات ، وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ، أي : لم يتوكلوا في جميع ذلك إلا على اللّه ، فكفاهم شأنهم . وباللّه التوفيق . الإشارة : كل من لم يتأتّ له جمع قلبه في بلده ؛ فليهاجر منها إلى غيره ، وليسمع قول سيده : يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ ، فإن شق عليه مفارقة الأوطان ، فليذكر مفارقته للدنيا في أقرب زمان . وكان الصدّيق رضي اللّه عنه لمّا هاجر إلى المدينة ، وأصابته الحمى ، يتسلى بذكر الموت ، وينشد : كلّ امرئ مصبّح في أهله * والموت أدنى من شراك نعله وقد أكثر الناس في الوعظ بالموت وهجومه ، نظما ونثرا ، فمن ذلك قول الشاعر : الموت كأس ، وكلّ الناس شاربه * والقبر باب ، وكلّ الناس داخله وقال آخر : اعلم بأنّ سهام الموت قاطعة * بكلّ مدّرع فيها ومتّرس ركوبك النعش ينسيك الرّكوب إلى * ما كنت تركب من نعل ومن فرس ترجو النّجاة ، ولم تسلك طريقتها * إنّ السّفينة لا تجرى على يبس إلى غير ذلك مما يطول . ولما أمر بالهجرة ؛ خافوا العيلة ، فأنزل اللّه تعالى : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 60 إلى 63 ] وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 60 ) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 61 ) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 62 ) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 63 )