ابن عجيبة
311
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الذين أدركوا زمانك من يؤمن به . وإذا قلنا : إنّ السورة كلها مكية ، يكون إخبارا بغيب تحقق وقوعه ، وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا ، مع ظهورها وزوال الشبهة عنها ، إِلَّا الْكافِرُونَ ؛ إلا المتوغلون في الكفر ، المصممون عليه ، ككعب بن الأشرف وأضرابه ، أو كفار قريش ، إذا قلنا : الآية مكية . وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ ؛ من قبل القرآن مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ، بل كنت أميا ، لم تقرأ ولم تكتب ، فظهور هذا الكتاب ، الجامع لأنواع العلوم الشريفة والأخبار السالفة ، على يد أمي ؛ لم يعرف بالقراءة والتعلم ، خرق عادة ، قاطعة لبغيته . وذكر اليمين ؛ لأن الكتابة ، غالبا ، تكون به ، أي : ما كنت قارئا كتابا من الكتب ، ولا كاتبا إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ أي : لو كنت ممن يخط ويقرأ لقالوا : تعلمه ، والتقطه من كتب الأقدمين ، وكتبه بيده . أو : يقول أهل الكتاب : الذي نجده في كتابنا أمي لا يكتب ولا يقرأ ، وليس به . وسماهم مبطلين ، لإنكارهم النبوة ، أو : لارتيابهم فيها ، مع تواتر حججها ودلائلها . هذا ، وكونه صلى اللّه عليه وسلم أميا كمال في حقه صلى اللّه عليه وسلم ، مع كونه أميا أحاط بعلوم الأولين والآخرين ، وأخبر بقصص القرون الخالية والأمم الماضية ، من غير مدارسة ولا مطالعة ، وهو ، مع ذلك ، يخبر بما مضى ، وبما يأتي إلى قيام الساعة ، وسرد علم الأولين والآخرين مما لا يعلم القصة الواحدة منها إلا الفاذ من أحبارهم ، الذي يقطع عمره في مدارسته وتعلمه ، وهذا كله في جاهلية جهلاء ، بعد فيها العهد بالأنبياء ، وبدّل الناس ، وغيّروا في كتب اللّه تعالى ؛ بالزيادة والنقصان ، ففضحهم صلى اللّه عليه وسلم وقرر الشرائع الماضية ، فهذا كله كاف في صحة نبوته ، فكانت أميته صلى اللّه عليه وسلم وصف كمال في حقه ، ومعجزة دالة على نبوته ؛ لأنه صلى اللّه عليه وسلم ، مع كونه أميا ، ظهر عليه من العلوم اللدنية ، والأسرار الربانية ، ما يعجز عنه العقول ، ولا تحيط به النقول ، مع إحكامه لسياسة الخلق ، ومعالجتهم ؛ مع تنوعهم ، وتدبير أمر الحروب ، وإمامته في كل علم وحكمة . وأيضا : المقصود من القراءة والكتابة : ما ينتج عنهما من العلم ؛ لأنهما آلة ، فإذا حصلت الثمرة استغنى عنهما . والمشهور أنه صلى اللّه عليه وسلم لم يكتب قط . وقال الباجي وغيره : إنه كتب ، لظاهر حديث الحديبية . وقال مجاهد والشعبي : ما مات النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى كتب وقرأ . وهذا كله ضعيف . قال تعالى : بَلْ هُوَ أي : القرآن آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أي : في صدور العلماء وحفاظه ، وهما من خصائص القرآن ؛ كون آياته بينات الإعجاز ، وكونه محفوظا في الصدور ، بخلاف سائر الكتب ، فإنها لم تكن معجزات ، ولم تكن تقرأ إلا بالمصاحف . قال ابن عباس : بَلْ هُوَ أي : محمد ، والعلم بأنه أمي ، آياتٌ بَيِّناتٌ ؛ في صدور أهل العلم من أهل الكتاب ، يجدونه في كتبهم . ه « 1 » . و ( بل ) : للإضراب عن
--> ( 1 ) ذكر الطبري القولين ( 21 / 5 - 6 ) ورجح القول الثاني لأن قوله تعالى : بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ بين خبرين من إخبار اللّه عن رسول اللّه سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم . فهو بأن يكون خبرا عنه أولى من أن يكون خبرا عن الكتاب .