ابن عجيبة
307
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وقال ابن عطية : إذا وقعت على ما ينبغي ؛ من الخشوع ، والإخبات لذكر عظمة اللّه ، والوقوف بين يديه ، انتهى عن الفحشاء والمنكر ، وأما من كانت صلاته لا ذكر فيها ولا خشوع ، فتلك تترك صاحبها بمنزلته حيث كان . ه . فائدة : ذكر في اللباب أن أول من صلى الصبح آدم عليه السّلام ، لأنه لم يكن رأى ظلمة قط ، فلما نزل ، وجنّه الليل خرّ مغشيا ، فلما أصبح ورأى النور صلى ركعتين ، شكرا . وأول من صلى الظهر إبراهيم ، لما فدى ولده ، وقد كان نزل به أربعة أهوال ، هم الذبح ، وهم الولد ، وهم والدته ، وهم مرضاة الرب ، فصلى أربع ركعات ؛ شكرا للّه تعالى . وأول من صلى العصر سليمان عليه السّلام ، لمّا رد اللّه عليه ملكه . وأول من صلى المغرب عيسى عليه السّلام ، كفارة عما اعتقد فيه من أنه ثالث ثلاثة . وأول من صلى العشاء يونس عليه السّلام ، ولعله هذا الوقت الذي نبذ فيه بالعراء . وأول من توضأ آدم ؛ كفارة لأكله . ه . مختصرا بزيادة بيان . وجمعها الحق تعالى لهذه الأمة المحمدية ؛ لتحوز فضائل تلك الشرائع ؛ لأنه صلى اللّه عليه وسلم جامع لما افترق في غيره . ثم قال تعالى : وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ، أي : ولذكر اللّه ، على الدوام ، أكبر ، في النهى عن الفحشاء والمنكر ، من الصلاة ؛ لأنها في بعض الأوقات . فالجزء الذي في الصلاة ينهى عن الفحشاء الظاهرة ، والباقي ينهى عن الفحشاء الباطنة ، وهو أعظم ، ولأن الانتهاء لا يكون إلا من ذاكر للّه ، مراقب له ، وثواب ذلك الذكر أن يذكره اللّه تعالى ؛ لقوله : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ « 1 » . ومن ذكره حفظه ورعاه . أو : لذكر اللّه أكبر ؛ أجرا ، من الصلاة ، ومن سائر الطاعات ، كما في الحديث : « ألا أنبئكم بخير أعمالكم ، وأزكاها عند مليككم ، وأرفعها في درجاتكم ، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق ، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ؟ قالوا : وما ذلك يا رسول اللّه ؟ قال : ذكر اللّه » « 2 » . وسئل : أىّ الأعمال أفضل ؟ قال : « أن تموت ولسانك رطب من ذكر اللّه » « 3 » . قيل : المراد بذكر اللّه هو الصلاة نفسها ، أي : وللصلوات أكبر من سائر الطاعات ، وإنما عبّر عنها بذكر اللّه ؛ ليشعر بالتعليل ، كأنه قال : والصلاة أكبر ؛ لأنها ذكر اللّه . وعن ابن عباس : ولذكر اللّه لكم إياكم ، برحمته ، أكبر من ذكركم إياه بطاعته . وقال ابن عطاء : ذكر اللّه لكم أكبر من ذكركم له ؛ لأن ذكره بلا علة ، وذكركم مشوب بالعلل والأماني ، ولأن ذكره لا يفنى ، وذكركم يفنى . أو : لذكر اللّه أكبر من أن تفهمه أفهامكم وعقولكم . أو : ذكر اللّه أكبر
--> ( 1 ) الآية 152 من سورة البقرة . ( 2 ) أخرجه الترمذي في ( الدعوات ، باب 6 ، 5 / 428 ، ح 3377 ) ، وابن ماجة في ( الأدب ، باب فضل الذك ، 2 / 1245 ، ح 3790 ) ، والبيهقي في الشعب ( 519 ) ، والحاكم وصححه في المستدرك ( 1 / 496 ) ، وصححه ووافقه الذهبي ، من حديث أبي الدرداء . ( 3 ) رواه ابن حبان في صحيحه ( 815 ) ، والبراز ( كشف الأستار ح 3059 ) ، من حديث معاذ بن جبل ، وقال الهيثمي في المجمع : ( 10 / 74 ) : وإسناده حسن .