ابن عجيبة

294

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : يقال : بدأ اللّه الخلق ، وأبداه : بمعنى واحد ، وقد جاءت اللغتان في هذه السورة . وقوله : ( يعيده ) : عطف على الجملة ، لا على ( يبدئ ) ؛ لأن رؤية البداءة بالمشاهدة بخلاف الإعادة ، فإنها تعلم بالنظر والاستدلال ، وهم لا يقرونها ؛ لعدم النظر . وقد قيل : إنه يريد إعادة النبات وإبداءه ، وعلى هذا تكون ( ثم يعيده ) : عطفا على ( يبدئ ) . يقول الحق جل جلاله : أَ وَلَمْ يَرَوْا أي : كفار قريش كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ أي : يظهره من العدم ، أي : قد رأوا ذلك وعلموه ، ثُمَّ يُعِيدُهُ بالبعث ؛ للجزاء بالعذاب والثواب . قال القشيري : الذي داخلهم فيه الشكّ هو بعث الخلق ، فاحتجّ عليهم بما أراهم من فصول السنة بعد نقضها ، وإعادتها على الوجه الذي كان في العام الماضي . وكما أن ذلك سائغ في قدرته ، كذلك بعث الخلق . ه . ونحوه لابن عطية وغيره . كما هو مشهود في الثمار ، من كونها تبدأ ، فتجنى ، ثم تفنى ، ثم تعيدها مرة أخرى . وكذلك يبدئ خلق الإنسان ، ثم يهلكه بعد أن خلق منه ولدا ، وخلق من الولد ولدا آخر ، وكذا سائر الحيوان . وهذا يرشح صحة عطف « يعيد » على « يبدئ » . إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ أي : الإعادة بعد الإفناء يسيرة على قدرة اللّه تعالى . قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ أي : قل يا محمد ، وإن كان من كلام إبراهيم فتقديره : وأوحينا إليه أن قل : سيروا في الأرض ، فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ على كثرتهم ، واختلاف أحوالهم وألسنتهم وألوانهم وطبائعهم ، وتفاوت هيئاتهم ، لتعرفوا عجائب قدرة اللّه بالمشاهدة ، ويقوى إيمانكم بالبعث ، وهو قوله : ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ أي : البعث ، وهذا دليل على أنهما نشأتان : نشأة الاختراع ونشأة الإعادة ، غير أن الآخرة إنشاء بعد إنشاء ، والأولى ليست كذلك . والقياس أن يقال : كيف بدأ اللّه الخلق ثم ينشئ النشأة الآخرة ، وإنما عدل عنه ؛ لأن الكلام معهم وقع في الإعادة ، فلما قررهم في الإبداء ، بأنه من اللّه ، احتج بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء ، فإذا لم يعجزه الإبداء وجب ألا يعجزه الإعادة ، فكأنه قال : ثم ذلك الذي أنشأ النشأة الأولى هو الذي ينشئ النشأة الآخرة ، فللتنبيه على هذا أبرز اسمه وأوقعه مبتدأ . قاله النسفي . إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ؛ فلا يعجزه شئ . يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ بعدله ، وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ بفضله ، أو : يعذب من يشاء بالخذلان ، ويرحم بالهداية للإيمان ، أو : يعذب من يشاء بالحرص ، ويرحم من يشاء بالقناعة ، أو : يعذب بالتدبير والاختيار ، ويرحم بالرضا والتسليم لمجارى الأقدار ، أو : يعذب بالإعراض عنه ، ويرحم