ابن عجيبة
292
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم ذكر قصة إبراهيم ، فقال : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 16 إلى 18 ] وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 16 ) إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 17 ) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 18 ) قلت : ( إبراهيم ) : عطف على ( نوح ) ، أو متعلق باذكر ، و ( وإذ قال ) : ظرف زمان لأرسلنا ، أو : بدل اشتمال من ( إبراهيم ) ؛ إن نصب باذكر ؛ لأن الأحيان تشتمل على ما فيها . يقول الحق جل جلاله : وَإِبْراهِيمَ أي : وأرسلنا إبراهيم إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أي : أرسلناه حين كمل عقله وتم نظره ، وبلغ من السن والعلم مبلغا صلح فيه لأن يعظ قومه ، ويأمرهم بالعبادة والتقوى . وقرأ النخعي وأبو حنيفة : بالرفع . أي : ومن المرسلين إبراهيم ، قال في وعظه : اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ مما أنتم عليه من الكفر ، إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ؛ إن كان فيكم علم بما هو خير لكم مما هو شر لكم . إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً ؛ أصناما وَتَخْلُقُونَ : تختلقون وتكذبون ، أو تصنعون أصناما بأيديكم تسمونها آلهة . وقرأ أبو حنيفة والسّلمى : « وتخلّقون » بالكسر والشد . من خلّق ؛ للمبالغة . إِفْكاً : وقرئ « أفكا » بفتح الهمزة « 1 » ، وهو مصدر ، نحو كذب ولعب . واختلاقهم الإفك : تسميتهم الأوثان آلهة وشركاء للّه . إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً : لا يستطيعون أن يرزقوكم شيئا من الرزق ، فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ كلّه ؛ فإنه هو الرزاق وحده ، لا يرزق غيره . وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ أي : متوسلين إلى مطالبكم بعبادته ، مقيدين لما خصكم به من النعم بشكره ، إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ، فاستعدوا للقائه بعبادته والشكر له على أنعمه ، وَإِنْ تُكَذِّبُوا أي : تكذبوني فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ رسلهم ، وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ الذي يزول معه الشك . والمعنى : وإن تكذبوني فلا تضروننى بتكذيبكم ؛ فإن الرسل قبلي قد كذبتهم أممهم ، وما ضروهم ، وإنما ضروا أنفسهم ، حيث حلّ بهم العذاب . وأما الرسول فقد أدى ما
--> ( 1 ) في الأصول [ بفتح الفاء ] . وانظر : البحر المحيط ( 7 / 141 ) . فقد قال أبو حيان : « قرأ ابن الزبير وفضيل بن زرقان . ( أفكا ) بفتح الهمزة وكسر الفاء ، وهو مصدر مثل الكذب » .